أنطوني ليك*

قبل بعض الوقت، التقيت فتاة شابة في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، وهي كمثل عشرات الآلاف من الأطفال هناك، فرت هذه الفتاة وأفراد أسرتها من الصراع المتفاقم في سوريا. وقد التقيتها للمرة الأولى في فصل مدرسي مؤقت واقع في بحر من الخيام، ثم رأيتها مرة أخرى في وقت لاحق وهي تلعب مع أطفال آخرين على ملعب خشن.

سألتها أين تفضل أن تكون؟ تتعلم في الفصل أو تلعب مع صديقاتها؟ أعرف الإجابة على نفس السؤال عندما كنت في سنها. ولكنها اختارت الفصل المدرسي، وهي الإجابة التي تنبئنا بالكثير. فمن بين كل الأشياء التي أرغمت على تركها من خلفها في سوريا كان تعليمها الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تخسره، لا من أجل أن تحقق حلمها بأن تصبح طبيبة وتتجنب مستقبلا يمليه الحرمان والعنف والخسارة، ولكن من أجل تحقيق ذاتها.

لقد سمعت نفس التعطش إلى التعلم يعبر عنه بكلمات بسيطة العديد من الأطفال المتضررين بالأزمة في سوريا وغيرها من بقاع الأزمات في مختلف أنحاء العالم، فالأطفال يريدون بشدة الذهاب إلى المدرسة. وتريد أسرهم بشدة أن يحصلوا على التعليم.

في خضم العنف وعدم الاستقرار، تصبح المدرسة مكانا للتعلم والفرص، ومأوى للشفاء والصحة، وملاذا للحياة الطبيعية والأمل في المستقبل

دعم المصالحة
في خضم العنف وعدم الاستقرار، تصبح المدرسة مكانا للتعلم والفرص، ومأوى للشفاء والصحة، وملاذا للحياة الطبيعية والأمل في المستقبل. إن التعليم لا يزيد من فرص الأطفال في اكتساب القدرة ذات يوم على دعم أنفسهم والسعي إلى حياة أفضل لأسرهم فحسب، بل إنه يزودهم أيضا بالمهارات اللازمة لإعادة بناء مجتمعاتهم. ومن الممكن أن يغرس في أنفسهم الرغبة في السعي إلى المصالحة عندما تحل الصراعات وتنتهي الكوارث.

لذا فإننا عندما نمد أيدينا إلى الأطفال المتضررين بالأزمات -ونزودهم بفرصة التعلم- نخدم بذلك الاحتياجات الإنسانية وأهداف التنمية. والواقع أن التعليم أحد المجالات التي تكاد المصالح الإنسانية والتنموية تتوافق فيه تمام التوافق. وفي وقت حيث يستعد زعماء العالم لتبني أهداف التنمية المستدامة الجديدة التي سوف توجه جهود التنمية على مدى السنوات الـ15، فإن هذا يشكل أهمية بالغة.

ويتمثل النبأ السار هنا في الإجماع العالمي المتزايد على أهمية التعليم المدرسي في كسر الحلقات بين الأجيال من التفاوت بين الناس وبناء مجتمعات أكثر قوة واستقرارا. ويعكس هدف التنمية المستدامة المقترح في مجال التعليم هذا الإجماع، كما يدعو إلى تمكين كل الأطفال وبشكل عادل من الوصول إلى الفصل المدرسي. وخلافا لهدف التعليم ضمن الأهداف الإنمائية للألفية، والذي دعا إلى تمكين كل الأطفال من الوصول إلى التعليم الأولي، يدعو هدف التعليم ضمن أهداف التنمية المستدامة إلى توفير القدرة الشاملة على الوصول إلى التعلم، من تنمية الطفولة المبكرة إلى المدرسة الثانوية، وما بعدها.

ومع احتضاننا لهدف التعليم الجديد، يتعين علينا أن نضع في الاعتبار إحدى العقبات الرئيسية التي تحول دون تحقيقه: العدد المتزايد من الأزمات وحالات الطوارئ في مختلف أنحاء العالم. فوفقا لتقرير جديد صادر عن معهد التنمية لما وراء البحار، يعيش كل طفل من ثلاثة أطفال تقريبا اضطروا إلى الخروج من المدرسة اليوم في بلد مبتلى بأزمة. وفي البلدان الـ35 الأكثر تضررا بالعنف، يتعرض نحو 65 مليون طفل بين سن ثلاث سنوات و15 سنة لخطر التسرب من التعليم.

إن الأزمات والصراعات تعني للأطفال الأصغر سنا الحرمان من فرصة البدء بتلقي التعليم. وبالنسبة لأطفال آخرين يعني الانقطاع عن التعليم وعدم العودة إليه من جديد أبدا. كما يعني بالنسبة لآخرين التدهور الشديد في جودة التعليم، وذلك نظرا للافتقار إلى المعلمين المدربين بالقدر الكافي أو المواد التعليمية المناسبة، إلى حد أن الأطفال لا يكتسبون أحيانا حتى مهارات القراءة والكتابة الأساسية.

الأطفال من ذوي الإعاقة -وأغلبهم لا يدخلون المدرسة في البلدان النامية- تشهد فرصهم الضئيلة بالفعل انخفاضا أكبر في أوقات الأزمات

تحديات خطيرة
تواجه بعض المجموعات تحديات خطيرة، فالأطفال من ذوي الإعاقة -وأغلبهم لا يدخلون المدرسة في البلدان النامية- تشهد فرصهم الضئيلة بالفعل انخفاضا أكبر في أوقات الأزمات. ووفقا لبيانات جديدة صادرة عن تقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع، فإن احتمالات خروج الفتيات الشابات اللاتي يعشن في المناطق المتضررة بالصراع أكثر بنحو 90% من نظيراتهن في البلدان الأكثر استقرارا. ويصبح هذا الأمر أكثر تعقيدا، لأن مجرد عام واحد من التعليم المدرسي الإضافي للفتيات يزيد من قدرتهن على كسب الدخل واحتمالات إرسالهن لأطفالهن في المستقبل إلى المدرسة.

ورغم أن عدد الأطفال المتضررين بالأزمات يكاد يبلغ مستوى غير مسبوق على الإطلاق، فإن التمويل من أجل التعليم في أوقات الأزمات يظل ضئيلا إلى حد فاضح، ففي العام 2013 ذهب أقل من 2% من إجمالي المساعدات في حالات الطوارئ إلى التعليم وفرص التعلم. ورغم أن التعليم يشكل أولوية واضحة من أولويات التنمية، فإن أقل من 10% من مساعدات التنمية الرسمية في مجال التعليم في ذلك العام ذهبت إلى أطفال متضررين بالأزمات.

ولتحقيق هدف التنمية المستدامة الجديد في مجال التعليم، لا بد أن تستجيب استثماراتنا لواقع العالم الذي أصبح أكثر تقلبا. ويبدأ هذا بتقبل حقيقة أساسية، وهي أن التعلم ليس فقط عنصرا بالغ الأهمية في التخفيف عن كل طفل يعيش في منطقة طوارئ أو أزمات.

وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية -وعلى هوامش اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي منتدى التعليم العالمي في مايو/أيار- كان فريق غير رسمي يتولى دراسة اقتراح لإنشاء صندوق عالمي جديد للتعليم في حالات الطوارئ. ورغم أن العديد من التفاصيل لم تناقش بعد، فإن الفكرة تكتسب المزيد من القوة. وينبغي لنا أن نبني على هذا الزخم.

إننا نواجه اختيارا يتعين علينا أن نتخذه بشكل جماعي، فإما أن ننفق المزيد الآن على التعليم في حالات الطوارئ، أو ندفع ثمن جيل مفقود من الأطفال غير المتعلمين بالقدر اللائق والذين سوف يصبحون ذات يوم شبابا غير مجهزين بالقدر الكافي لإعادة بناء مجتمعاتهم المحطمة. إن جيلا من الأطفال المحرومين من الفرصة لتحقيق أحلامهم سوف يجدون صعوبة أكبر في إعطاء أطفالهم في المستقبل الفرصة لتحقيق مستقبل أفضل. وسوف نتحمل جميعنا التكاليف البعيدة الأمد المترتبة على هذه الحلقة المفرغة.

----------------

* المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة لإغاثة الأطفال (يونيسيف)

المصدر : بروجيكت سينديكيت