صلاح عبد الشكور*

صدم العالم قبل أيام باكتشاف أكثر من 32 مقبرة جماعية في تايلند تعود لأقلية الروهينغا ممن فروا من ميانمار جراء الاضطهاد الديني والعرقي ووقعوا ضحايا لتجار البشر، فاستغلوهم أسوأ استغلال وقاموا ببيعهم وتهريبهم مقابل مبالغ ضخمة يلزمونهم بها تحت التهديد والتعذيب.

ولم تنطفئ شرارة هذه الأخبار المدوية حتى اكتشفت مقابر جماعية مماثلة في ماليزيا، ونقلت وسائل الإعلام ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي صورا ولقطات عن هذه المقابر.

وفي هذا المقال أحاول تسليط الضوء على هذه القضية وأكشف بعض الخفايا والأسرار التي تسنى لي الوقوف عليها أثناء زيارة لبعض دول آسيا، قابلت خلالها أشخاصا عديدين من الروهينغا رووا قصصا مأساوية مرعبة بشأن ما يجري للروهينغيين على أيدي تجار البشر في بعض الدول التي لجؤوا إليها أو أثناء عبورهم منها.

ومن المؤسف حقا أن تأتي فضيحة المقابر الجماعية في تايلند بعد انتهاء قمة آسيان 2015 بأقل من أسبوعين، حيث همشت القمة قضية الروهينغا رغم الأزمة التي تعانيها عدد من دول آسيان منها. واعتبرت ميانمار على لسان وزير خارجيتها وونا مونغ لوين أنه لا يوجد أي سبب لمناقشة قضية الروهينغا في قمة آسيان، في إقصاء واضح لقضية إنسانية محورية مشتركة بين معظم دول آسيا.

وظهور هذه المقابر الجماعية للروهينغا على السطح بعد قمة آسيان مباشرة دليل واضح على أن المصالح الاقتصادية والسياسية باتت هي المحرك الأول لتوجهات وسياسات قادة الآسيان، بغض الطرف عن قضايا إنسانية كهذه بدأت تظهر آثارها ولا زالت دوائر السياسية تحاول إخفاءها وتهميشها.

تمثل اضطهاد الروهينغيين في التمييز العنصري والقتل والاعتقال التعسفي والمنع من البيع والشراء وحظر التجوال ومداهمة المنازل واغتصاب النساء والمنع من ممارسة الشعائر الدينية

هروب الروهينغا.. الأسباب الحقيقية
قبل الخوض في خفايا وقوع هؤلاء الروهينغيين، يجب أن نفهم جيداً هنا دواعي وأسباب فرار الآلاف من مسلمي الروهينغا من موطنهم بولاية أراكان، فكل المؤشرات على الأرض تشير إلى أسباب معروفة باتت أقرب إلى سمع العالم وبصره من أي وقت مضى، حيث تعاني أقلية الروهينغا المسلمة منذ عقود صنوفا من العذاب والاضطهاد والتضييق في العيش، الأمر الذي دفعهم للهروب بحثا عن النجاة في أي مكان.

تمثل هذا الاضطهاد في التمييز العنصري والقتل والاعتقال التعسفي والمنع من البيع والشراء وحظر التجوال ومداهمة المنازل واغتصاب النساء ومنعهم من ممارسة الشعائر الدينية وغير ذلك، حتى غدت الحياة أمام الروهينغيين في وطنهم أراكان أشبه إلى كابوس مرعب يبذلون كل ما في وسعهم للخروج مما هم فيه من ضنك واضطهاد. ولعلنا نستطيع الآن أن ندرك المتسبب الأول لكل مأساة الروهينغا، ألا وهو حكومة ميانمار وسياساتها التعسفية بحق الروهينغا الذين أصبحوا هدفا لكل السياسات والممارسات المستبدة منذ عقود طويلة.

وما هذه المقابر وأفواج اللاجئين والعالقين في البحار والحالات الإنسانية إلا بعض آثار هذا الطغيان الميانماري الممنهج ضد أقلية مستضعفة في وطنها.

وفي هذا السياق يصرح مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش، براد آدامز، "يصف الناجون كيف يفرون من الاضطهاد في ميانمار ليقعوا في أيدي المتجرين والمبتزين، ويشهدوا في حالات كثيرة على وفيات، كما يعانون من الإساءة والجوع. وتوضح المقابلات مع المسؤولين وغيرهم أن هذه الشبكات الوحشية، بتواطؤ مسؤولي الحكومة في ميانمار وبنغلاديش وتايلاند وماليزيا، تتربح من البؤس والفاقة اللذين يعانيهما بعض الأشخاص الأكثر تعرضاً للاضطهاد والإهمال في العالم".

قصص أشبه بالخيال
إنها قصص أشبه بالخيال تلك التي يرويها اللاجئون الروهينغيون في ماليزيا، مجرد سماعها يمثل تجربة مليئة بالغرائب والعجائب، فكيف بمن خاض تفاصيها وكان طرفا في أحداثها. مقابلات كثيرة أجريتها مع أصحاب رحلات الموت الذين فروا من جحيم البوذيين بولاية أراكان غرب ميانمار وركبوا خلال رحلتهم شتى أنواع الصعوبات. وهنالك آلاف من المهجرين ابتلعتهم المحيطات أثناء رحلتهم، وكل هدفهم هو الخلاص من جحيم البوذيين والفكاك من الخناق والحصار المفروض عليهم في كل الاتجاهات، والبحث عن العيش بكرامة في أي بقعة من الأرض. وهنا يجب أن ندرك جيداً أن الاضطهاد الممنهج هو السبب الرئيس لهروب الروهينغيين بخلاف كثير من أشكال الهجرة التي يشهدها العالم اليوم.

قصة مقابر الروهينغا الجماعية أن هؤلاء الروهينغيين يضطرون أثناء هروبهم من ميانمار إلى الوقوع في قبضة تجار البشر الذين يعملون عبر شبكة واسعة بين كل من ميانمار وبنغلاديش وتايلند وإندونيسيا وماليزيا وبعض الدول الأخرى، ويقومون بإغرائهم بنقلهم من موطنهم أراكان إلى بعض دول آسيا، ويقومون بوضعهم في سفن وقوارب مخصصة للبضائع وتكديسهم بأعداد كبيرة جدا، وأثناء الرحلة هنالك ممارسات تعسفية ولا إنسانية كثيرة تمارس مع الضحايا.

فالمهربون يمنعون الطعام والشراب عن طالبي اللجوء ولا يمنحونهم إلا ما يكفي لبقاء أرواحهم، ونظراً لظروف البحار والمحيطات وانعدام الغذاء والعلاج تحصل حالات وفيات كثيرة.

وتتجه معظم سفن المهربين نحو تايلند لوجود مناطق جبلية عديدة يتم حبس الروهينغا فيها بشكل لا إنساني، ويقومون بتعذيبهم وضربهم ومنعهم من الطعام والشراب حتى يدفعوا الفدية المطلوبة منهم قبل أن يتم إيصالهم لأي دولة من دول آسيا، وهنالك في المناطق الجبلية وعلى بعد مئات الكيلومترات أعد المهربون أقفاصاً للحبس والتعذيب، وقد حدثني من عاش في هذه الأقفاص لبضعة أشهر كيف كان تجار البشر والعاملون معهم يغتصبون النساء المسلمات بشكل علني، وكيف كانوا يعذبون الروهينغيين بعد أن يقوموا بالاتصال بذوي بعضهم ليشعره بحاجته إلى المال ليقوم بسداد هذه المبالغ.

وقابلت عددا كبيرا ممن أصبحوا معاقين بسبب ربط أرجلهم ومنعهم من التحرك وتعرضهم للبعوض والأمطار وتقلبات الطقس. وفي هذه الظروف وجراء التعذيب ومنع العلاج في هذه الغابات تموت أعداد كبيرة منهم، ويقوم هؤلاء التجار بدفنهم لإخفاء آثار جرائمهم، ومن استطاع منهم دفع الفدية قاموا بتحويله إلى أقرب دولة يستطيعون إيصاله إليها. هؤلاء المهربون مسلحون ويملكون أرصدة ضخمة بسبب اتجارهم بالبشر، وتربطهم علاقات مالية مع جهات أمنية وحرس حدود في منافذ بعض الدول حسب ما أوضحت منظمات حقوقية عالمية.

حدثني من عاش في أقفاص تجار البشر لبضعة أشهر كيف كانوا يغتصبون النساء المسلمات بشكل علني،
وقابلت عددا كبيرا ممن أصبحوا معاقين بسبب ربط أرجلهم ومنعهم من التحرك وتعرضهم للبعوض والأمطار وتقلبات الطقس

حلول مقترحة
كانت حكومة ميانمار تزعم في السابق أن قضية الروهينغا قضية داخلية لبلادها وتخص الشأن المحلي لها، وها هي القضية تفضح الحكومة الميانمارية في دعاواها ويعترف العالم بهذه الأزمة وتداعياتها على المنطقة بأسرها، وتحركت لها تايلند ودعت لمؤتمر خاص لعلاج هذه القضية المتشعبة بمشاركة 17 دولة. وثمة بعض الحلول لمعالجة القضية ووقف حد لهذه الأزمة الإنسانية في آسيا:

- على حكومة ميانمار تحمل كامل المسؤولية تجاه ما يحصل، فبسبب سياساتها التمييزية والعنصرية، وبسبب اضطهادها للروهينغيين أدخلت المنطقة في فوضى إنسانية وتسببت في إزهاق أرواح آلاف من البشر راحوا ضحية سياساتها الرعناء.

- على دول آسيا أن تتحرك للضغط على حكومة ميانمار لتحميلها المسؤولية وإلزامها بإعادة حق المواطنة وكل الحقوق المسلوبة للروهينغيين حتى لا يضطروا إلى الفرار والهروب من أراكان.

- يجب على دول المنطقة إبرام اتفاقية لمحاربة الاتجار بالبشر ومعاقبة المتورطين ومحاسبة الجهات المشاركة في هذه العملية، وتأسيس لجنة عليا مشتركة لمتابعة أنشطة تجار البشر وملاحقتها.

- على دول آسيا أن تلتزم بحماية اللاجئين الذين يصلون إلى شواطئها، وألا ترفض استقبالهم تحت أي ذريعة، مع توفير كامل الرعاية والعناية حتى تحل أزمتهم ويعودوا إلى وطنهم.

- هنالك مجموعات مكونة من عوائل وأفراد من الروهينغيين الهاربين وُضعوا في محتجزات منذ عدة أعوام بحجة دخولهم البلاد بطريقة غير قانونية. فعلى مسؤولي هذه الدول إطلاق سراحهم والتنسيق لترتيب بقائهم بعيدا عن المحتجزات.

- تكثيف الرقابة الدولية على شبكات تجارة البشر ومحاصرتها والرقابة الصارمة على الأجهزة العسكرية والحدودية المتورطة في هذه العملية.

وأخيراً فإن الأزمة الحالية لأقلية الروهينغا من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم، ولا بد للعالم هنا أن يرفع صوته في وجه هذا الاستبداد الميانماري ويعيد لهذا الشعب المظلوم حقه لينعم بالحياة كباقي البشر.
----------
*كاتب وباحث مهتم بأوضاع مسلمي الروهينغا في ميانمار

المصدر : الجزيرة