خميس بن بريك-تونس

رغم إعاقتهم الجسدية التي أقعدتهم على كراسٍ متحركة رفض معاقون في تونس التسول بالشارع، وفضلوا مصارعة الحياة والتعويل على جهدهم الخاص لكسب المال من بيع الأكياس.

ففي زحمة السوق المركزي بالعاصمة تونس الذي يعج في شهر رمضان بالتجار والمتسوقين تجلس كريمة الصماتي على كرسي متحرك بجانب ابنيها وبيديها أكياس سوداء تبيعها.

هذه المرأة في عقدها الرابع تعاني منذ نعومة أظافرها من شلل لم يستطع الأطباء معالجته، غير أن إرادتها للحياة وعزة نفسها لم تسمحا لها بالانحناء لليأس أو التواكل.

تقول كريمة إنها استقرت لأول مرة في حياتها منذ فترة قصيرة مع زوجها هشام المعاق ذهنيا وابنيها الصغيرين بالعاصمة فارة من تدهور أوضاع المعيشة في مدينتها قفصة بالجنوب.

وتسكن هذه العائلة البسيطة في منزل فيه ثلاث غرف ضيقة تكرمت به إحدى المحسنات، غير أن هذه الظروف السيئة لم تزد هذه العائلة إلا لحمة ورضا وصبرا.

تتعالى هتافات وأصوات باعة الأسماك الحمراء والزرقاء لجذب المشترين في السوق المركزي، بينما تلتقط كريمة بعينيها البراقتين الزبائن لتبيعهم أكياسها مقابل مال قليل (0.1 دولار).

ويقبل بعض المارين بجانبها على شراء تلك الأكياس لوضع حاجتهم فيها من خضر وغلال وأسماك، في الوقت الذي تشرق وجوه ابني كريمة من الفرح لإقبال الناس على التبضع من والدتهما.

ورغم أن ربحها من بيع الأكياس لا يتجاوز بأحسن الحالات خمسة دولارات باليوم فإن كريمة تبدو سعيدة برزقها الذي تجنيه "بعيدا عن مهانة التسول ومد اليد للآخرين"، فهي إلى جانب ذلك تتقاضى منحة حكومية تبلغ 150 دينارا (75 دولارا) شهريا.

وتقول "أنا ابنة عائلة محترمة وأرفض مد يدي للتسول، لقد اخترت أن أعمل بعرق جبيني ولا أبيع عزة نفسي بقليل من المال أبدا"، مضيفة أنها اختارت مصارعة الحياة على الركون للراحة.

وفي نهاية عملها آخر النهار يدفع زوجها وأبناؤها كرسيها المتحرك من أجل التسوق من تجار الخضار والغلال، لتشتري ما أمكن لها أن تشتريه ثم تعود إلى بيتها لطهي الطعام.

محمد الهادي السباعي يستغني بالعمل البسيط عن طلب المساعدة (الجزيرة)

رضا بالقدر
ولا تختلف هذه الوضعية عن حال محمد الهادي الرجل الذي أجبر مرض السكري الأطباء على بتر جزء من أسفل رجله، فهو يأتي مع ابنه الصغير كل صباح منذ حلول شهر رمضان إلى السوق المركزي لبيع الأكياس وجني قليل من المال.

يمضي محمد الهادي وابنه في رحلة ذهاب شاقة إلى السوق تدوم ساعتين بالحافلة التي تقلهم من منطقة السيجومي الشعبية المتاخمة للعاصمة لشراء الأكياس من باعة الجملة ثم إعادة بيعها.

يمضي هذا الرجل المتدين ذو اللحية الخفيفة -الذي لا تظهر على وجهه علامات السخط من القدر- ساعات بالسوق يدفعه ابنه من الخلف يمنة ويسرة في وسط زحمة السوق للتخلص من أكياسه بسرعة.

ويتقدم نحوه عديد الزبائن الذين يتسوقون بنهم كبير في شهر رمضان الذي طالما يفتح شهيتهم للأكل، بينما يشعر محمد الهادي بالرضا عن أدائه رغم خروجه مؤخرا من عملية جراحية مؤلمة.

ويقول الهادي للجزيرة نت "لدي عائلة كبيرة تتكون من خمسة أبناء، وعلي أن أعيلهم في هذه الظروف الصعبة، خاصة أني لا أملك راتبا تقاعديا".

ويتقاضى محمد الهادي معونة حكومية تمنح للعائلات الفقيرة تبلغ 150 دينارا (75 دولارا)، لكنه يقول إن غلاء المعيشة لا يمكنه من تحمل أعباء نفقات منزله، الشيء الذي دفعه لمصارعة واقعه والعمل بجهده دون اللجوء إلى التسول.

ويقول "أجدادنا وآباؤنا علمونا أن نعمل بالقليل من المال على أن نركن إلى البطالة، لذلك أنا أعمل بجهدي الخاص وأرضى بما يرزقني الله".

المصدر : الجزيرة