محمود العدم-الجزيرة نت

فتحت حادثة الاعتداء على جندي يهودي من أصل إثيوبي وما تلاها من احتجاجات قام بها يهود الفلاشا ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاههم، الباب على مصراعيه للحديث عن ظاهرة العنصرية في إسرائيل.

ولا يمكن الحديث عن العنصرية في إسرائيل دون الإشارة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الذي اعتمد في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1975 واعتبر الصهيونية "شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".

وجاء القرار الأممي اعتمادا على الوقائع والأحداث التي ثبتتها اللجان المختصة في مختلف مجالات حقوق الإنسان، بل طالب القرار دول العالم بمقاومة الأيديولوجية الصهيونية باعتبار أنها "تشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين".

ورغم أن القرار ألغي في ديسمبر/كانون الأول 1991 كشرط لدخول إسرائيل في مفاوضات السلام في مدريد، فإن حقوقيين يعتبرون أن إلغاءه لا يغيّر شيئاً من واقع عنصرية إسرائيل لأن الإلغاء جاء لاعتبارات سياسية محضة.

وتبرز ظاهرة العنصرية بين المكونات اليهودية للمجتمع الإسرائيلي، ثم تتسع الدائرة لتصل إلى السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948، لتتجاوزهم إلى باقي الفلسطينيين، حيث تؤيد غالبية اليهود فكرة الفصل العنصري.

وتدفعنا هذه الظاهرة للعودة إلى تعاليم "الهالاخاة" في الشريعة اليهودية التي تعتمد التمييز بين اليهودي وغير اليهودي في كل مجالات الحياة، وهو الأمر الذي يتجلى في أخطر صوره عبر احترام حياة الأول مقابل الاستخفاف بحياة الثاني.

بين اليهود
وتشير الدراسات إلى أن المجتمع اليهودي يتكون من ثلاث مجموعات عرقية أساسية، هي السفارديم وهم يهود إسبانيا والبرتغال الذين طردوا من هناك إثر سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، واتجهوا للدولة العثمانية، ويلحق بهؤلاء العرق الثاني وهم يهود المشرق العربي والعالم الإسلامي.

أما العرق الثالث وهم يمثلون نحو 85% من يهود العالم فهم الأشكناز، وهؤلاء أساساً جاؤوا من شرق أوروبا وروسيا، ومنهم ظهرت جميع الحركات اليهودية التي كانت نواة للحركة الصهيونية، وهذه الفئة تسيطر سياسياً واقتصادياً على المؤسسات الإسرائيلية المختلفة.

وتبدو بعض الحوادث مهمة للإشارة إلى العنصرية بين العرقيات اليهودية نفسها، ومنها ما حدث في العام 2010 حين تظاهر يهود الأشكناز للتعبير عن رفضهم اختلاط بنات طائفتهم مع طالبات السفارديم في مدرسة دينية بمستوطنة عمانويل بالضفة الغربية.

كما أكدت دراسات إسرائيلية سابقة أن نسبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بين الطلاب من أصول شرقية تبلغ 51%، وتعد هذه النسبة أقل بـ22% من نسبة الطلاب اليهود من أصول غربية والبالغة نحو 73%، وتبرز جليا ايضا بهذا الصدد قضية رفض التبرع بالدم من قبل اليهود الفلاشا قبل نحو ربع قرن.

وقفة احتجاجية بالداخل الفلسطيني تنديدا بالتشريعات العنصرية الإسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 (الجزيرة)

يهودية الدولة
وتتجلى ظاهرة العنصرية الإسرائيلية ضد العرب في قانون يهودية الدولة، الذي يهدف إلى تحديد هوية دولة إسرائيل بصفة "الدولة القومية للشعب اليهودي"، وتكريس قيم الدولة بصفتها يهودية.

وينص القانون على أن أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وهي الوطن القومي للشعب اليهودي، الذي يجسّد فيها حقه في تقرير المصير بناءً على تراثه الحضاري والتاريخي، وحق تقرير المصير فيها مقصور على الشعب اليهودي.

ويعود بنا الحديث عن يهودية الدولة إلى تصريحات عنصرية أطلقها زعماء إسرائيل في كل فترة، ومن بينها اعتبار فلسطينيي 48 بأنهم قنبلة موقوتة، وتهديد وجودي كالسرطان، وطابور خامس.

أما وزير الأمن الداخلي الأسبق جدعون عيزرا فقد وصف العرب بالمصيبة، وقال "يوجد مواطنون عرب في دولة إسرائيل، هذه مصيبتنا الكبرى. تخلّص من غزة تخلص من يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، ستبقى مع المصيبة الكبرى".

وفي دلالة واضحة على عمق هذه الظاهرة ضد عرب 48، يقول المعلق السياسي ناحوم بارنيا في صحيفة يديعوت أحرونوت "إن كراهية الآخر أو أي شخص ينظر إليه على أنه الآخر ليست متأصلة بعمق فحسب، وإنما تلقى تشجيعا من سياسيين".

وأخيرا لا بد من الإشارة إلى تقرير جمعية "حقوق المواطن" الإسرائيلية للعام الماضي، والذي قالت فيه إن "إحدى أبرز الظواهر خلال العام المنصرم هي المس الخطير بحرية التعبير عن الرأي لكل من يحمل رأيا خارجاً عن الإجماع القومي الإسرائيلي".

وسجّل التقرير عدة مظاهر للعنصرية والعنف ضد المواطنين العرب، مشيرا إلى أن هذه الممارسات تحظى بدعم رسمي.

المصدر : الجزيرة