العنصرية بالولايات المتحدة مضمون حلقة جديدة من برنامج المرصد بثت أمس على قناة الجزيرة، وتناولت ما يعانيه السود الأميركيون من تمييز عرقي، فهم عرضة للمعاملة العنيفة من قبل الشرطة، وللصور النمطية الجاهزة من قبل الإعلام.

إنها العنصرية.. المرض الذي لم تفلح الولايات المتحدة الأميركية عبر تاريخها في القضاء عليه. بين جرأة لينكولن، وصيحات لوثر كينغ، حتى حرائق فيرغسون وبالتيمور.. ظلت أمريكا سجينة ماضيها الثقيل، وإعلامها المتردد..

هي ليست إشكالية مستجدة، فإذا ما عادت بنا الذاكرة الى عام 1967 فإن لجنة كيرنر، التي شكلها الرئيس ليندون جونسون لدراسة الأسباب الجذرية لأحداث الشغب العنصري حينها، خلصت إلى القول "إن أمتنا تتجه نحو مجتمعين، أحدهما أسود والآخر أبيض، منفصلين وغير متكافئين".

حلم مارتن لوثر كينغ بأمة تساوي بين جميع أبنائها، يبدو أنه لم يتحقق. فالأميركيون ذوو البشرة السمراء ما يزالون إلى يومنا هذا يخرجون إلى الشارع يتظاهرون رفضا لما يعتبرونه ممارسات عنصرية تجاههم.

أخطر ما في الأمر أن هذه الفئة من المجتمع الأميركي كثيرا ما تشير بأصابع الاتهام نحو إعلام بلادها كجزء حقيقي من المشكلة.

عقب أحداث بالتيمور مؤخرا، انتقد الممثل الشهير مورغان فريمان تعاطي هذا الإعلام مع أبناء المدينة من ذوي البشرة السمراء كمخربين، بدلا من نقل الصورة كما هي.

جانب من مظاهرات أخرى ضد العنصرية (الأوروبية) 

ظهور مفاجئ
أما على الأرض، فلم يكن مراسلو القنوات الكبرى مرحبا بهم من قبل سكان بالتيمور بسبب ما اعتبروه محاولة لتشويه حركتهم المطالبة بتحقيق العدل والمساواة. لم يستسيغوا غياب التغطية الإعلامية لحظة اندلاع الاحتجاجات بشكل سلمي، ثم ظهورها فجأة عند اندلاع أعمال الشغب.

وكانت الصيحات "أريدك أن تغادر أنت وقناة فوكس نيوز مدينة بالتيمور. لأنك لم تأت للحديث عن معاناتنا هنا، ولا عن الناس المشردين بغير مأوى، ولست تعد تقارير عن ارتفاع معدلات الفقر لدينا".. "أنت هنا لتعد قصصا عن شغب المواطنين السود ولا يعنيك الحديث عن موت فريدي غراي. أنت هنا لتنقل صورة تتماشى مع وجهة نظرك".

التغطيات الإخبارية أيضا لم تخل من مشادات كلامية بين المذيعين وضيوفهم، كما كانت الحال بين إرين بارنت مذيعة "سي إن إن" وكارل ستوكس، عضو مجلس بالتيمور.

-يجب ألا نصفهم جميعا بالبلطجية.
- ما الذي يبرر أفعالهم؟ هناك فرق بين فعل الصواب أو الخطأ. وهم مخطئون، يقومون بأعمال سرقة ويحرقون ممتلكات الناس ومنازلهم. ألا ترى ذلك؟
- حسنا، سمّيهم بلطجية أو سمّيهم زنوجا.. فقط قولي إنهم زنوج.

تصاعد حدة التوتر وتفاقم أعمال الشغب في بالتيمور لم يكونا مفاجئين للكثيرين. هي ليست المرة الأولى التي يلقى فيها أميركي من أصول أفريقية حتفه على يد رجال الشرطة.

فقبل فريدي غراي، قتل مايكل براون ابن الـ18 عاما برصاص ضابط شرطة أبيض. حدث ذلك في أغسطس/آب من العام الماضي، وتسبب الأمر باندلاع مواجهات بين الشرطة وسكان ولاية ميزوري من ذوي البشرة السمراء.

هي علاقة سيئة تحكمها الريبة بين الطرفين الشرطة والأميركيين ذوي الأصول الأفريقية. لكنها ليست كذلك بين الشرطة نفسها ومثيري الشغب من ذوي البشرة البيضاء، وفق ما يرى كثيرون ممن انتقدوا أيضا ازدواجية الإعلام في التعاطي مع تلك الجموع وفق لون بشرتهم.

عندما يتعلق الأمر بالبيض، تختلف المصطلحات.. يصبح الحديث عن "المتظاهرين" و"الجماهير" حتى وإن هم اعتدوا على الممتلكات الخاصة والعامة ورجال الشرطة.

وتظهر الإحصائيات أن الأميركيين من أصول أفريقية أكثر عرضة للمعاملة العنيفة من قبل الشرطة ما يتسبب بوفاتهم.

 تايمز الأميركية اختصرت الحكاية: الولايات المتحدة تعاني مرضا مزمنا اسمه العنصرية 

مفارقة
كل ذلك ليس أمرا طارئا في أميركا، لكن ما يثير الاستغراب أنه مستمر في فترة رئاسة سيد البيت الأبيض فيها وهو رجل من أصول أفريقية، باراك أوباما.

ويؤخذ على الإعلام الأميركي أيضا أنه لا يذهب عميقا في معالجة واقع هذه الفئة من المواطنين الأميركيين بعين الحريص على شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية وتكافؤ فرص التعليم والعمل. ولا ينقل حجم معاناتهم للجمهور الذي يشكل البيض غالبيته.

وعلى الرغم من توجيه الاتهام إلى ستة من عناصر الشرطة في قضية مقتل الشاب غراي في بالتيمور، توقع 96% من الأميركيين مزيدا من الاضطرابات العنصرية هذا الصيف طبقا لاستطلاع رأي أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" وشبكة "إن بي سي" الأميركيتان.

أما الصورة على غلاف تايمز الأميركية، فقد اختصرت كل الحكاية: الولايات المتحدة تعاني مرضا مزمنا منذ العام 1968 اسمه العنصرية لم تغيره السنون.

المصدر : الجزيرة