تغري حياة رباب المرفهة في ألمانيا شقيقتَها فوزية في لبنان، مثلما تغري آلافا غيرها ممن يمتطون قوارب مهترئة في رحلة حنين سرمدية من الجنوب إلى الشمال.

في بلدة صغيرة جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، لا تألو فوزية جهدا في الحفاظ على نظافة شقتها المتواضعة رغم جدرانها المتداعية والنوافذ المغطاة بالبلاستيك.

ويعيش معها في الشقة المكونة من ثلاث حجرات للنوم 12 شخصا آخرون، بينهم أطفالها الخمسة، والجميع لاجئون سوريون.

كل يوم تقريبا تستقبل فوزية رسائل على الهاتف المحمول من شقيقتها الصغرى رباب التي تعيش في ألمانيا.

هربت الشقيقتان من وطنهما قبل ثلاثة أعوام، ويصور تباعدهما المصائر التي حلت بملايين السوريين.

فرباب (42 عاما) أرملة وأم لمراهقين قذفت بها الأقدار إلى ألمانيا، حيث تعيش مع ابنيها في منزل مريح ويحصلون على تعليم مجاني وتأمين صحي.

أما فوزية التي تكبرها بعشر سنوات فكان مصيرها مختلفا، فهي في لبنان واحدة من أكثر من مليون سوري ليس لهم حق قانوني في العمل ولا يحصلون على مساعدات تذكر، وهي تعمل ليل نهار في الخياطة للاجئين آخرين لتحصل على ما يسد رمقها ورمق أولادها.

ولعل البون الشاسع بين ظروف حياة الشقيقتين، هو ما يجعل آلاف السوريين يغامرون بدفع بضعة آلاف من الدولارات لمهربي البشر من أجل ركوب سفن مهترئة لتعبر بهم إلى حياة أفضل على الجانب الآخر من البحر المتوسط.

تقول فوزية "أفكر في الذهاب إلى أوروبا.. لكني لا أفكر في الذهاب في مركب، لأن حياة عائلتي أغلى علي بكثير".

وتقول منظمة الهجرة الدولية إن أكثر من 42 ألفا مهاجر من سوريا كانوا من بين 170 ألف مهاجر غير نظامي وصلوا إلى إيطاليا بحرا في العام الماضي. وتقول روما إن قرابة ألفي مهاجر قضوا نحبهم في البحر منذ بداية العام الجاري.

وتوضح بيانات الأمم المتحدة أن فرص حصول لاجئ على إعادة التوطين رسميا في بلد غني مثل ألمانيا ضئيلة تبلغ نحو 0.5%.

وقد وعدت ألمانيا وكندا -أكثر بلدين سخاء بين الدول الغنية- باستيعاب الأولى 30 ألف لاجئ والثانية 11.3 ألفا، وهو ما لم يتحقق. وقبلت بريطانيا 143 لاجئا. أما روسيا واليابان فلم تقبلا أي لاجئ.

وعموما تقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عشر اللاجئين السوريين في المنطقة -مثل رباب- يحتاجون لإعادة التوطين، ويمثل ذلك 400 ألف لاجئ.

وطلبت المفوضية من الدول الغنية المساعدة في إعادة توطين ثلث هذا العدد أي حوالي 130 ألفا فيما بين عامي 2013 و2016. ووصف مسؤول بالمفوضية هذا الهدف بأنه "طموح"، وأن أكثر منه غير واقعي.

ووعدت الدول الغنية بتقديم أموال، لكن الأمم المتحدة تقول إنها لم تتلق سوى 19% من أربعة مليارات دولار طلبتها.

وهذا يضع أمثال فوزية أمام خيار صعب، فإما أن تشق حياتها في لبنان، أو تعود أدراجها إلى الحرب، أو تغامر بعبور البحر للحاق بشقيقتها.

المصدر : رويترز