الحسن أبو يحيى-الرباط

استأثرت مسودة لتعديل القانون الجنائي بالمغرب نشرتها وزارة العدل والحريات على موقعها الإلكتروني، باهتمام الفاعلين الحقوقيين والسياسيين الذين اختلفوا بين من يرى أنها عززت المكتسبات الحقوقية، وبين من يعتبرها مشروعا محافظا يتضمن مقتضيات فضفاضة يمكن توظيفها للتضييق على الحريات.
 
وخلال ندوة صحفية لتقديم مضامين المسودة وما جاءت به من جديد على القانون الجنائي المعمول به منذ 1962، قال وزير العدل والحريات المغربي مصطفى الرميد إن المسودة جاءت بمقتضيات تلائم دستور 2011، وتواكب تطور الأنظمة الجنائية الحديثة، وتستدرك الثغرات التي أفرزتها الممارسة العملية.
 مصطفى الرميد: المسودة تواكب تطور الأنظمة الجنائية الحديثة (الجزيرة)

إصلاحات
وبحسب وثيقة رسمية، فإن المشروع الحكومي يسعى إلى مراجعة شاملة بما يحقق إصلاح سياسة التجريم والعقاب بإرساء العقوبات البديلة، وتخفيض عدد المواد التي تنص على عقوبة الإعدام من 31 مادة إلى 11 مادة فقط، مع تحويل 13 مادة من أصل 27 تعاقب بالسجن المؤبد إلى السجن المحدد، وتعزيز حماية المرأة من خلال توسيع مفهوم التحرش الجنسي، وتجريم الإكراه على الزواج، وتشديد عقوبة السب والقذف إذا استهدف المرأة بسبب جنسها.

مقتضيات فضفاضة
لكن رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أحمد الهايج قال للجزيرة نت، إن النقد الجوهري للمشروع الحكومي يتمثل في كونه "استعمل مقتضيات وصيغا فضفاضة قابلة للتوظيف على أوسع نطاق، كمسألة الولاء للدولة مثلا".

وأضاف الناشط الحقوقي اليساري أن الوثيقة حافظت على ما قال إنها مجموعة من سلبيات القانون الحالي كعقوبة الإعدام وتقليص عدة حريات فردية واعتماد المقاربة العقابية، وقال إنها "أضافت عقوبات جديدة تتعلق بحرية الرأي والتعبير وحرية المعتقد يمكن استخدامها في التضييق على الحقوق والحريات بما يناقض الدستور المغربي نفسه".

غير أن عضو لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان عبد الصمد الإدريسي عن كتلة حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة، وصف -في حديثه للجزيرة نت- الجدلَ القائم حول هذا المشروع بكونه مصطنعا ومغلوطا لأنه لا يركّز على القضايا التي تهم المجتمع بل انكب على قضايا ذات بعد أيديولوجي وسياسي.

أحمد الهايج: المشروع يمثل تهديدا حقيقيا للكثير من الحريات الجوهرية (الجزيرة)

حفاظ على الحقوق
وقال الإدريسي إن هذا المشروع يعزّز الحماية القانونية للمجتمع ويحافظ على الحقوق والحريات، وأشار إلى أن من أمثلة ذلك تجريم التعذيب والاحتجاز والاختطاف، وتجريم بعض الأفعال التي تشكل خطورة ولم تكن مجرمة بمقتضى القانون الحالي.

وبخصوص النقاش الدائر حول قضايا تجريم سب الذات الإلهية والإفطار العلني في رمضان، قال الإدريسي إنها ليست جديدة، بل هي مُجَرمة وفق القانون المعمول به، ولم يطرأ عليها تغيير جوهري، معتبرا أن "إثارتها في النقاش العام لم يكن بغرض تجويد القانون الجنائي"، حيث استدلّ على ذلك بكون الذين يثيرون هذه الإشكالات تجاهلوا مئات الفصول في قضايا مختلفة و"ركزوا على فصلين ليسا من صميم انشغالات المغاربة".

محاكم التفتيش
وينتقد الهايج ما وصفه بتوسيع مدلول السب ليشمل أشكال التعبير الفكري والفني، وقال إنه "يشكل تهديدا حقيقيا للكثير من الحريات الجوهرية، ويعيدنا إلى عهد محاكم التفتيش ومطاردة السحرة"، واعتبر أن إثارة مسألة الإفطار العلني في رمضان "لا تستحضر أن الأصل في الصوم من عدمه يرتبط بالحرية الفردية، وأن التشريع الجنائي يجب أن يظل بمنأى عنه احتراما لمقاصد الدين الذي لا ينبني على القسر والإكراه".

وإذا كانت بعض بنود المشروع تثير خلافا بين مختلف التوجهات السياسية فإن تجريم التحرش الجنسي يحظى بالإجماع، ويؤكد الهايج على أن تجريم التحرش الجنسي يحمي الحرمة الجسدية والنفسية للمرأة ويمنع امتهان كرامتها، ويقول الإدريسي إنه لم يعُد من الممكن السكوت عن هذه الظاهرة بالنظر لخطورتها على تماسك وقيَم المجتمع.

المصدر : الجزيرة