خميس بن بريك-تونس



اشتكى تونسيون من تعرّضهم للتعذيب والخطف والاعتقالات التعسفية بتهمة دعم الإرهاب، في وقت تتعالى فيه أصوات منظمات حقوقية للمطالبة باحترام مبادئ حقوق الإنسان في مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي أثار جدلا واسعا في البلاد.

وتقول منظمات حقوقية إنّ السلطات الأمنية قامت باستعمال أساليب النظام السابق في ملاحقة وتعذيب المشتبه فيهم وأقاربهم في قضايا الإرهاب، وذلك عقب تصاعد وتيرة الهجمات على الأمنيين والعسكريين والسياح من قبل جماعات مسلّحة.

أحمد السليمي (26 عاما) شاب يعيش في محافظة الكاف المحاذية للحدود الجزائرية، يؤكد أنه كان عرضة للاعتقالات التعسفية والخطف والتعذيب من قبل أعوان الحرس والشرطة، وذنبه الوحيد في ذلك أن أخاه طارق ملاحق بشبهة الإرهاب، وفق قوله.

يقول هذا الشاب إن حياة عائلته تحولت إلى جحيم منذ أن هرب طارق من المنزل، بسبب الاشتباه فيه عام 2013. ومنذ ذلك الوقت، يقول أحمد للجزيرة نت إنّه "بات محلّ ملاحقات متتالية هو وشقيقه وليد المعاق ذهنيا، وحتى والده ووالدته".

وبكثير من القهر، يروي أحمد كيف مُورس عليه التعذيب عند إيقافه في يوليو/تموز 2014 بشبهة دعم وتمويل الإرهاب، مؤكدا أنه حُرم من النوم وبقي واقفا طيلة أربعة أيام، ويداه موثوقتان بالأصفاد من الخلف، بينما كان أعوان الشرطة يعنفونه، وفق قوله.
أحمد السليمي يتهم رجال الأمن بتعذيبه وتهديده باغتصاب أخته إن وشى بهم (الجزيرة)

عودة التعذيب
وقد اتهم أحمد رجال أمن بإحالته مرتين إلى القضاء بتهم كيدية لا ناقة له فيها ولا جمل، لكن القضاء أخلى سبيله في المرتين. وقال للجزيرة نت إن عناصر أمن هددوه بالتنكيل بأفراد عائلته واغتصاب أخته إذا وشى بهم للقضاء، واتهمهم بتعذيبه، كما ذكر.

واستمرت معاناة عائلة أحمد حتى خلال العام الجاري، إذ يؤكد أن رجال الحرس والشرطة صعدوا من مداهماتهم لمنزلهم خلال كل الأوقات، بحثا عن أخيه المفتَش عنه، لافتا إلى أنهم رفعوا السلاح في بعض المرات على أبناء صهره الذين لا تتجاوز أعمارهم عشر سنوات.

وهذه الحالة ليست سوى نموذج من حالات أخرى مشابهة -وفق تصريح رئيس مرصد الحقوق والحريات المحامي أنور أولاد علي- الذي أكد للجزيرة نت تواصل ممارسة التعذيب والاعتقالات التعسفية من قبل المؤسسة الأمنية خلال تعاطيها مع "الإرهاب".

ويقول للجزيرة نت إن وتيرة انتهاك حقوق الإنسان زادت بشكل ملحوظ عقب الهجوم المسلح على متحف باردو، الذي نفذه مسلحان وأودى بحياة عشرين سائحا، مؤكدا أن "قوات الأمن قامت بحملات اعتقال عشوائية بوقت وجيز طالت المئات من الشباب المتدين".

ويضيف رئيس المرصد بأن هناك ما بين أربعين وخمسين متهما بشبهة الإرهاب يمثلون يوميا أمام المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، وأنّ أغلبهم يقع إطلاق سراحهم لغياب الأدلة، لكنه يقول إنّ "الكثير من الموقوفين يتعرضون للتعذيب والضرب وسوء المعاملة خلال فترة اعتقالهم".

 أنور أولاد علي: أصبح التعذيب والتهديد آلية ممنهجة لدى المؤسسة الأمنية (الجزيرة)

فصول مقلقة
ويؤكد أولاد علي أنّ ممارسة التعذيب والتهديد بالفاحشة والاغتصاب أصبحت آلية ممنهجة في تعاطي المؤسسة الأمنية مع قضايا الإرهاب، محذرا بنفس الوقت من العودة إلى الدولة الأمنية والدوس على الحريات العامة تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

ويتابع بأنّ "التصدي للإرهاب يجب أن يحقق المعادلة بين النجاعة الأمنية والقضائية، وفي نفس الوقت بين احترام حقوق الإنسان" محذرا من وجود بعض الفصول الفضفاضة في مشروع قانون الإرهاب الجديد التي تفتح الباب إلى عودة ممارسة الانتهاكات.

وكانت منظمة هيومن رايتس قد وجهت نقدا لاذعا لمشروع قانون الإرهاب الذي ستنطلق لجان مشتركة بالبرلمان التونسي في مناقشته قريبا، لافتة إلى أنه رغم تحسينه فإنه يتضمن فصولا تفتح الباب أمام عودة البلاد إلى سابق عهدها، وأنها تخل بالمحاكمات العادلة.

ويقول النائب عن حركة النهضة بدر الدين عبد الكافي للجزيرة نت إن "مشروع قانون الإرهاب الجديد يجب أن يناقش بروية من أجل عدم السقوط في فخ محاربة الإرهاب بأي ثمن، وبما يفتح الباب أمام عودة الدولة الأمنية، ويقوض مكاسب الحقوق والحريات".

بدورها، تقول النائبة عن حركة نداء تونس ورئيس لجنة الحقوق الحريات بالبرلمان بشرى بالحاج حميدة -للجزيرة نت- إنّ قانون الإرهاب الجديد يتضمن فصولا خلافية سيقع التصديق عليها بالتوافق. وشددت أيضا على ضرورة انسجامه مع مكاسب دستور البلاد.

المصدر : الجزيرة