أحمد الأمين-نواكشوط

فتوى فقهية بعدم شرعية الرق في موريتانيا، وتعديلات جوهرية على مضامين قانون تجريم العبودية الصادر سنة 2007، خطوتان تزامنتا لتحركا راكد مياه هذا الملف الحقوقي، وتعيدا الجدل بشأنه إلى الواجهة من جديد.

لكن هذه الفتوى قوبلت بانتقادات من ناشطين حقوقيين ما زالوا ينظرون بعين الريبة والاتهام لبعض الفقهاء، بينما رحبوا بالتعديلات القانونية التي أجرتها الحكومة.

الفتوى التي أصدرتها رابطة العلماء الموريتانيين (هيئة غير رسمية) قبل أيام، أكدت أن الاسترقاق لم يعد شرعيا بعد فتوى أصدرها علماء موريتانيون عام 1981 استند إليها الحكم العسكري حينئذ لسن قانون يلغي الرق، لكنه يعطي الملاك الحق في التعويض عن أرقائهم المحررين.

واعتبرت الفتوى الجديدة أنه بناء على هذا المرسوم لم يعد هنالك مسوغ شرعي للرق، وأن "كافة الممارسات المحتملة بعد هذا التاريخ تعتبر باطلة شرعا".

ولد علي: الفتوى تؤكد أن الاسترقاق كان مشروعا (الجزيرة)

رفض واتهام
واعتبرت مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) أن الفتوى لم تأت بجديد في مجال مكافحة الرق، وإنما أكدت أن بعض الفقهاء ظلوا يشرعون الاسترقاق رغم النفي المتكرر لذلك.

وقال عضو الحركة عيسى ولد علي للجزيرة نت إن الفتوى جاءت "لتؤكد أن الاسترقاق والظلم الذي تعرضت له شريحة لحراطين (الأرقاء السابقون) كان مشروعا، وهو أمر نرفضه جملة وتفصيلا، إذ لا شرعية للرق اليوم ولا أمس".

وأضاف "استناد الرابطة في فتواها إلى مرسوم 1981 الذي ينص على حق المستعبِدين في التعويض مقابل تحرير عبيدهم يجعل الفتوى مهينة ومرفوضة تماما كما رفض المرسوم الذي استندت إليه، لأنه بدل إنصاف الضحايا انتصر للجلادين".

ولد زيد: كان الأفضل أن تصدر الفتوى من المجلس الأعلى للفتوى والمظالم (الجزيرة)

تحفظات
أما رئيس المرصد الموريتاني للتنمية والحقوق التراد ولد زيد، الناشط في مجال الدفاع عن الأرقاء السابقين، فيرى أن الفتوى "خطوة مهمة، ونحن نتعاطى مع أي إجراء أو تحرك يمكن أن يساهم في القضاء على العبودية ومخلفاتها".

لكن ولد زيد الخارج قبل أشهر من "إيرا" أبدى -في حديث مع الجزيرة نت- جملة من الملاحظات على الفتوى، إذ اعتبر أنها "جاءت متأخرة، واستندت إلى مرسوم 1981، وذلك يشكل عودة إلى الوراء".

وأشار إلى أن الفتوى لم تأت من جهة رسمية لأن الرابطة مجرد إحدى منظمات المجتمع المدني، وكان الأفضل -وفق رأيه- صدورها من المجلس الأعلى للفتوى والمظالم الذي هو هيئة رسمية مختصة.

الشيخ ولد صالح: علماء موريتانيا نزعوا أي مبرر شرعي عن الرق (الجزيرة)

العلماء يردون
وقد دافعت رابطة العلماء عن خطوتها معتبرة أن ما قامت به هو تأكيد لفتوى العلماء عام 1981، والمرسوم الذي استند إليها لإلغاء الرق.

وقال نائب أمينها العام الشيخ ولد صالح "الرابطة أرادت التأكيد للعالم أنه لا يوجد رق في موريتانيا، وإن ما تدعيه بعض المنظمات الحقوقية بهذا الخصوص مجرد دعايات غير مؤسسة على أدلة ولا يسندها واقع".

وأضاف في حديث للجزيرة نت "علماء وفقهاء موريتانيا نزعوا أي مبرر شرعي عن الرق في هذه البلاد، وبادروا عند نشأة الدولة الحديثة إلى دراسة الواقع وإصدار فتاوى بوجوب التخلص من الموجود من الرق يومها، وما يثيره بعض الحقوقيين الآن عار من الصحة ولا قيمة له".

تعديلات قانونية
أما التعديلات التي أجراها مجلس الوزراء على قانون 2007، فتقدم تعريفا أكثر دقة وتحديدا للرق
-وفق وزير العدل سيدي ولد الزين- وتصنف الممارسات الاسترقاقية على أنها جنايات، بدل اعتبار بعضها جنحا.

وينص التعديل على تشديد العقوبات في جرائم الاسترقاق، وضمان التعويض لضحايا العبودية بمجرد صدور حكم ابتدائي حتى ولو استؤنف، كما يوجب تقديم المؤازرة القانونية والقضائية للضحايا، وينشئ محاكم خاصة بجرائم الرق، ويعطي المنظمات الحقوقية إمكانية تحريك الدعوى باعتبارها طرفا مدنيا.

وأكد وزير العدل للجزيرة نت أن إصلاح قانون 2007 يأتي انسجاما مع التعديلات الدستورية سنة 2012 التي اعتبرت الاستعباد جريمة ضد الإنسانية، كما يندرج في سياق تنفيذ خارطة طريق تبنتها الحكومة سنة 2014 للقضاء على مخلفات الرق، تنص على مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بتجريم الاستعباد.

وقد رحبت معظم التنظيمات الناشطة في مجال مكافحة الرق بالتعديلات الجديدة على قانون 2007 واعتبرتها خطوات جيدة، وتمنت أن تجد طريقها للتطبيق.

المصدر : الجزيرة