ياسين بودهان-الجزائر

"أسماء" شابة من العاصمة وعنوان قصة تروي فصولها صورا متعددة لمأساة يتحمل مسؤوليتها شخصان وقعا في الخطيئة ومجتمع يحمل مسؤولية تلك الخطيئة لشخص بريء لم يشارك في ارتكابها، وحكومة عجزت عن توفير حماية قانونية ومعنوية لهذا الشخص البريء الذي يدفع وحده في النهاية ثمن الخطيئة.
 
أسماء لم يكتب لها القدر أن تعيش حياة طبيعية منذ ولادتها، بعدما عثر عليها في قبو عمارة أحد الأشخاص وقرر الاحتفاظ بها وعدم إبلاغ مصالح الأمن، وأصبحت تعيش بدون وثائق هوية، وهو ما حرمها الالتحاق بمقاعد الدراسة، ومع تدرجها في السن أمست تستغلها زوجة الشخص الذي عثر عليها، وباتت هي التي تقوم بكل أعمال المنزل، وتتعرض في مرات كثيرة للضرب المبرح، مما أجبرها على الهروب، لتجد نفسها في الشارع دون مأوى وعمرها لا يتجاوز 18 سنة.

ورغم جهودها الحثيثة في محاولة لقاء مسؤولين للتكفل بها، حال عدم حصولها على وثائق هوية دون ذلك، كما تقول للجزيرة نت.

وتلفت أسماء -التي وجدت نفسها مشردة في الشارع وتقتات من التسول وصدقات المحسنين- إلى أنها تتعرض يوميا للمساومة على شرفها وعفتها، وتخشى أن تكرر لها تجربة الأم التي ولدتها، وتطالب الحكومة بحمايتها وحماية من يعاني مثلها بتمكينهم من وثائق هوية تسهل انخراطهم وعيشهم في المجتمع.

وتزيد كلمات "ابن الزنا" و"ابن الحرام" و"اللقيط" التي ترافقهم يوميا من معاناتهم وانعزالهم عن المجتمع.

وحسب دليلة جناتي الخبيرة في علم النفس، يعد مجهول النسب شخصا غير مرغوب فيه، خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية ومنها الجزائر، لذلك يتعرض، كما قالت للجزيرة نت، لمختلف أنواع الإهمال النفسي والتربوي والصحي والاجتماعي، وهو ما يسبب له أمراضا نفسية خطيرة خاصة الفتيات اللائي قد يواجهن نفس التجربة التي مرت بها أمهاتهن.

 فاطمة بن براهم: من حق كل طفل أن يعرف حقيقته الكاملة مع بلوغه ثلاث سنوات (الجزيرة)

كشف الحقيقة
وحسب الخبيرة، يؤثر إنكار المجتمع لهم في أخلاقهم ويجعلهم يعيشون حالة انفصام، مما يفرز مشاكل اجتماعية ونفسية جديدة، وتؤكد أنه من حق كل طفل أن يعرف حقيقته الكاملة مع بلوغه ثلاث سنوات من العمر.

في المقابل كشفت الناشطة الحقوقية المحامية فاطمة الزهراء بن براهم أن العدد الذي أعلنته السلطات الرسمية يتعلق فقط بالحالات المسجلة داخل المستشفيات، وتضيف للجزيرة نت أن العدد الحقيقي أكثر من ذلك بكثير، ومن المستحيل معرفته بحكم طبيعة المجتمع الذي يعتبر الحديث في الموضوع من المحظورات.

وتسجل عدة حالات تؤكد من خلالها أن العدد أكثر بكثير من المعلن عنه، ووفق حديثها هناك "أمهات عازبات" يتركن أطفالهن لدى عائلات للتكفل بهم بشكل سري مقابل مبلغ مالي.

وهناك عائلات ليس لديها أبناء تتفق مع أم عازبة في فترة حملها على المكوث عندها في فترة الحمل، على أن تقوم بتسليم الابن المولود للعائلة المضيفة وتسجله باسمها، ويتحصل على وثائق هوية العائلة التي استضافت تلك الأم العازبة، وتضيف أن هناك أمهات يقتلن أبناءهن مباشرة بعد الولادة.

  عرعار: هناك حالات تتعرض فيها المكفولة للاستغلال وسوء المعاملة (الجزيرة)

شبكات تهريب
وكشفت عن وجود شبكات خاصة للتجارة في مجهولي النسب تقدم مبلغ 3000 يورو مقابل كل طفل، وفي بعض الحالات يهرب هؤلاء لفرنسا حيث تقوم عائلات فرنسية -بالتنسيق مع هذه الشبكات التي تضم موثقين وأطباء- بإمضاء عقد كفالة يتم من خلاله نقل الطفل لفرنسا، وتحويل الكفالة إلى تبنٍّ، ويحصل الطفل على لقب العائلة الفرنسية، وهي الجريمة التي تقول عنها فاطمة الزهراء إنها عديدة الأوجه، فهي اعتداء على سيادة الجزائر، وجريمة ضد القانون، وجريمة ضد الإسلام الذي يحرم التبني.

وكشفت أنها تعمل الآن رفقة مجموعة من الكوادر المنتمين لهذه الفئة على مشروع يهدف لإيجاد حلول واقعية لمعاناتهم.

من جانبه أكد رئيس شبكة ندى لحقوق الطفل عبد الرحمن عرعار للجزيرة نت عن وجود حالات نجحت فيها الكفالة، لكن هناك حالات أخرى كثيرة تتعرض فيها الضحية للاستغلال وسوء المعاملة، وهو ما يؤدي بها للهروب للشارع والانخراط في الجريمة، في ظل غياب آلية لمتابعة الأطفال الذين وضعوا تحت الكفالة.
 
وتبقى فئة المعاقين هي الأكثر معاناة برأيه، لأنها ملزمة مع تقدمها في السن بالبقاء في المراكز التي أنشأتها الحكومة لإيواء مجهولي النسب، مما يشكل لهم أزمات نفسية تؤثر على حياتهم.

وتوقع عرعار أن يسهم قانون جديد خاص بحماية الطفولة يعد له في إيجاد حلول للكثير من المشاكل التي تشكل مصدر معاناة لمجهولي النسب ببلاده.

المصدر : الجزيرة