خليل مبروك-إسطنبول

يدرس الطفل طارق موسى في الصف الرابع الابتدائي بمدينة إسطنبول التركية بعدما فقد عامين دراسيين حرم فيهما من التعليم إثر هجرته مع عائلته وطنهم السوري الغارق تحت براميل الموت التي لا تفرّق بين مقاتل يحمل السلاح وطفل يلهو في عالم الأحلام.

يقيم طارق منذ عامين ونصف العام في المدينة التركية مع عائلته، وبات يتقن اللغة التركية التي تسهل انخراطه في مجتمعه الجديد، وحين سألته الجزيرة نت عن حياة الأطفال في وطنه سوريا أجاب "لا توجد هناك حياة".

وطارق واحد من مجموعة أطفال عرب أثاروا بكلماتهم وأدائهم إعجاب المشاركين في مؤتمر الطفولة الثالث الذي نظمته جمعية التكافل لرعاية الطفولة بمدينة إسطنبول التركية تحت عنوان "أزهار بلا حديقة".

وشاركت عدة مؤسسات عربية وتركية وعالمية في المؤتمر الذي عقد اليوم الأحد وأمس السبت، من أبرزها منظمة التعاون الإسلامي والمنظمة العالمية للأسرة ومنظمة إنقاذ الطفل وهيئة الإغاثة التركية العالمية، وعشرات الخبراء والشخصيات الناشطة في مجال حقوق الأطفال.

الحاج عصام برغوت قال إن هذه الفعاليات تساهم بتوضيح حجم معاناة الأطفال (الجزيرة نت)

الانتقال للميدان
وقال القائمون على المؤتمر إن أحد جوانب الأهمية التي يمثلها يكمن في تقديمه جسرا يمد من خلاله أهل الخير أياديهم لمساعدة الأطفال الذين يعانون الحرمان وآثار الحروب والكوارث لا سيما في المنطقة العربية.

وأوضح الحاج عصام برغوت رئيس جمعية التكافل لرعاية الطفولة التي تأسست بلبنان عام 2004، أن كثيرا من الناس يتطلعون إلى مساعدة الأطفال في مواقع الأزمات ويسعون لمد يد العون لهم، لكنهم يحتاجون لجهة التجسير التي تربطهم بهؤلاء الأطفال.

وأشار -في حديث للجزيرة نت على هامش المؤتمر- إلى أن هذه الفعاليات تساهم أيضا في توضيح حجم معاناة الأطفال وتبرز احتياجاتهم التي تتطلب التدخل من قبل أهل الخير.

وذكر رئيس الجمعية المنظمة للمؤتمر أنها تخصصت أساسا في موضوع كفالة الأيتام الذين تتزايد أعدادهم جراء أحداث العنف في المنطقة العربية، الأمر الذي يتطلب نشاطا متزايدا في توفير الكفلاء لهم والرعاية لاحتياجاتهم.

حضور عربي كبير بالمؤتمر (الجزيرة نت)

محاور عدة
وشهدت جلسات المؤتمر وفعالياته نقاش واقع الطفولة في محاور تتعلق بالتشريعات العربية ومدى فعاليتها في حماية حقوق الطفل، وحقوق الأطفال بين الإسلام والشرعية الدولية، والحماية الصحية للأطفال، وحجم التنسيق بين المنظمات المعنية بواقعهم.

كما قدم المؤتمر مقاربات عملية تناولت أبرز صور معاناة الأطفال من أزمات المنطقة كفقدان الأطفال السوريين اللاجئين للجنسية، وحرمانهم من الوثائق الثبوتية، واستغلال الأطفال في الحروب، وتجارة الأطفال، والتسول، وتعرضهم للاستغلال والتحرش الجنسي.

وقال رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح بالجزائر نصر الدين حزام إن من شأن المؤتمرات أن تضع إطارا للعمل على إنقاذ الطفولة يرتكز إلى إبراز واقع الأطفال العرب واحتياجاتهم ثم استكشاف المؤسسات العاملة في حقل حماية حقوقهم.

وأضاف للجزيرة نت أن امتلاك المعلومة من خلال هذه المؤتمرات يزيد من قدرة الجهات العاملة في الميدان على تحويل الرؤى والأفكار إلى أنشطة وأعمال تخدم واقع الأطفال العرب.

يوسف: يُأمل أن تعالج هذه المؤتمرات مشاكل الأطفال بفاعلية ومصداقية (الجزيرة نت)

في الهم شرق
وأظهرت مداولات المؤتمر حجم الاضطهاد الذي يعيشه الأطفال العرب في بلاد الأزمات، حيث تجاوزت معاناة أطفال سوريا خلال أربعة أعوام من قمع النظام ما لقيه أطفال فلسطين في أكثر من 60 عاما من نكبتهم على يد الاحتلال.

كما أظهرت أوراق العمل التي قدمت في المؤتمر معطيات مرعبة عن واقع أطفال العراق الذين قضى منهم أكثر من مليون طفل خلال 12 عاما من الحصار، وأن واحدا من كل 8 أطفال يموتون قبل سن الخامسة، وأن 25% من الأطفال العراقيين في طريقهم للموت وفق الإحصائيات.

وأشارت المعطيات إلى أن أكثر من نصف مليون من أطفال العراق يحتاجون إلى علاج نفسي، وأن 30% منهم لا يرتادون المدارس، في حين عادت أمراض اندثرت عالميا كالكزاز وشلل الأطفال للتفشي في صفوفهم.

وفيما يتعلق بأطفال سوريا، أظهرت المعطيات التي بحثها المؤتمر أن 2.7 مليون منهم لا يلتحقون بالمدارس، وأن 30% من الأطفال السوريين النازحين فقط التحقوا بالتعليم.

أما بخصوص الواقع في فلسطين، فقالت الدراسات إن 41% منهم يعانون الأمراض، و48% يعانون من سوء التغذية وقلة النوم، و47% غير قادرين على التعامل مع الواجبات المدرسية، و51% منهم غير قادرين على المشاركة في أي نشاط.

وقال رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة عصام يوسف إن المعاناة الإنسانية واليتم والتشرد والحرمان الذي يعيشه الطفل هي مشكلة مركبة ذات آثار كارثية على الأطفال والأسر والمجتمعات العربية على السواء.

وأوضح يوسف للجزيرة نت أن المأمول من هذه المؤتمرات أن تعالج مشاكل الأطفال في العالم العربي بفاعلية ومصداقية، مشيرا إلى أن المطلوب من المنظمات والمؤسسات المشاركة هو الالتزام بما تقطعه على نفسها من تعهدات.

يذكر أن جزءا من محاور المؤتمر قد خصص لنقاش واقع الأطفال في فلسطين منها الآثار النفسية والصحية والاجتماعية التي خلفها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة العام الماضي، والواقع التعليمي لأطفال غزة، وسياسة الاعتقال والإقامة الجبرية بحق أطفال فلسطين.

المصدر : الجزيرة