ليست الحروب المشتعلة بالسودان فقط هي ما يشكل بيئة خصبة لظاهرة الأطفال المشردين، بل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت مسؤولين ومنظمات مجتمع مدني إلى دق ناقوس الخطر لمعالجة الظاهرة قبل تفاقمها.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

يبدأ الطفل المشرد زاكي الدين يومه مع شروق الشمس مباشرة عند منزل مهجور، لينطلق مع مجموعة من أقرانه إلى وسط العاصمة الخرطوم حيث توجد الأسواق ومواقف المواصلات العامة، ليقضوا سحابة نهارهم إما في التسول وإما في مسح الأحذية للحصول على قوت يومهم.

يقول زاكي الدين إن أول مهام المجموعة هي التسول من أجل الحصول على ثمن الشرب والأكل، حيث يتوزع بعضهم على النواصي وأطراف مواقف المواصلات لمسح أحذية المارة أو إصلاحها أو مسح زجاج السيارات، بينما تتجه مجموعات أخرى للسرقة والنشل.

وكشف الطفل في حديثه للجزيرة نت أنه نزح من مدينة الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق قبل نحو عام بحثا عن عمل، وأنه قضى الشهور الأولى في التنقل حافيا وحيدا بين أحياء الخرطوم، حتى عثر على المجموعة التي يعيش معها الآن.

لكن زاكي الدين عبر عن ضيقه من الأوضاع التي يعيشها في شوارع الخرطوم، التي تختلف عن منطقة منشأه، وأردف "لكن لن أرجع لأن الحرب لا تزال مستمرة هناك".

زاكي الدين نزح من الدمازين بسبب الحرب وبات مشردا بشوارع الخرطوم (الجزيرة نت)

ناقوس الخطر
ولم تجد الحكومة السودانية ممثلة في وزيرة الرعاية الاجتماعية غير دق ناقوس الخطر لظاهرة تنامي انتشار الأطفال المشردين في البلاد، مما دفع مهتمين لطرح كثير من الملاحظات للمساعدة في معالجة المشكلة.

ورغم ما يبذل من جهد رسمي، فإن التعامل مع الظاهرة وإفرازاتها على أرض الواقع لم يحقق حتى الآن نتائج ملموسة، الأمر الذي قاد منظمات مدنية للمطالبة بمنهج مختلف في التعامل مع المشكلة تشارك من خلاله جميع الأطراف المعنية.

وكانت وزيرة الرعاية الاجتماعية السودانية مشاعر الدولب أشارت إلى أن ظاهرة التشرد تحولت إلى مشكلة متمددة وفي تصاعد مستمر.

وقالت في ندوة حول الموضوع الأسبوع الماضي إنها مصدومة من رؤية الأطفال المشردين وهم يأكلون من القمامة في وقت يتخلص فيه الأغنياء من بقايا الطعام، معلنة عن مبادرة لتحسين أوضاع أكثر من 10 ملايين طفل بالسودان.

ويرجع خبراء سبب تشرد الأطفال إلى الحروب الدائرة في البلاد وما فيها من إفرازات، إلى جانب الأزمة الاقتصادية.

ووفق مسؤولين في ولاية الخرطوم فإن عدد المتسولين والمشردين في الولاية يتجاوز ستة آلاف مشرد، يمثل الأطفال الفئة الغالبة بينهم.

ويكشف مصدر مسؤول أن عدد الأطفال المشردين في ولاية الخرطوم وحدها يبلغ أكثر من ستة آلاف طفل، في حين تقول منظمات معنية إن العدد بلغ أكثر من 13 ألف مشرد.

سليم: الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحرب وراء تنامي الظاهرة (الجزيرة نت)

تنامي الظاهرة
مدير معهد حماية الطفل ياسر سليم يرى أن تنامي الظاهرة يعود إلى تدهور الظروف الاقتصادية للأسر وتوقف المشاريع الإنتاجية وليس الحرب وحدها.

وأكد أن العامل الأهم في تنامي تشرد الأطفال هو حرمانهم من "حقوق أساسية لم يحصلوا عليها في مواطنهم الأصلية مثل التعليم والصحة".

وبرأيه فإن السودان يملك خبرات لا يستهان بها في ميدان التعامل مع الأطفال المشردين "لكنها لم تجد تطبيقا سليما على أرض الواقع".

ويربط في حديثه للجزيرة نت فشل تلك البرامج بعدم اتباع المنهج المتكامل الذي ينظر لاحتياجات الطفل المشرد بشكل متكامل "مثل التأهيل الاجتماعي والنفسي والتعليم"، فضلا عن عدم التنسيق بين الجهات العاملة بهذا المجال.

ونوه إلى أن السودان بحاجة إلى منهج مختلف في التعامل مع المشكلة عبر ربط ذلك بمجانية وإلزامية التعليم، وتطبيق قانون الطفل الذي يجرم التشرد ويمنع عمالة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 14 عاما.

بينما ربطت الباحثة في مركز الجندر أمينة محمود بين التنمية غير المتوازنة في الريف والتفكك الأسري مع تنامي ظاهرة تشرد الأطفال، مشيرة إلى عدة جوانب أخرى طبيعية ساهمت في انتشار الظاهرة كالجفاف والتصحر والحاجة.

وقالت للجزيرة نت إن بداية الظاهرة في ثمانينيات القرن الماضي "كانت في مناطق بعينها تنتشر فيها الحرب والعوامل البيئية غير المساعدة لكنها امتدت إلى مناطق في مختلف الولايات بسبب الفقر والتفكك الأسري وتدهور الحالة الاقتصادية".

ولفتت إلى جذب ولاية الخرطوم "يوميا أعدادا كبيرة من الأطفال الفقراء والهاربين من أوضاعهم الأسرية"، منبهة إلى "عدم وجود إحصائيات رسمية عن أعداد الأطفال المشردين على مستوى البلاد كلها".

المصدر : الجزيرة