خميس بن بريك-تونس

عندما كانت في الـ13 من عمرها دفعها "جشع" أبيها إلى عالم غريب على براءتها، وانقطعت عن الدراسة من أجل تحمل أعباء الحياة وتحصيل المال.

تقول سنية إن والدها صدمها بإعلامها بأنها ستنقطع عن الدراسة لتذهب للعمل لدى عائلة أخرى.

وتروي للجزيرة نت أن الخبر نزل عليها كالصاعقة حتى تفجر رأسها بسيل من الأسئلة حول مصيرها المجهول، وتؤكد أن صدمة الفراق مزّقت قلبها الصغير وطمست فيه دفء أسرتها.

ورغم حرمانها من مقاعد الدراسة وسرقة طفولتها ودفء عائلتها، فإن مأساة هذه الفتاة لا تتوقف هنا فحسب، بل تحولت حياتها لكابوس مؤلم نتيجة سوء معاملتها من العائلة المُشغلة.

كانت مهمة سنية -رغم صغرها- الاعتناء بطفلين لزوجين يقيمان في العاصمة، وتتعرض بشكل متزايد للعنف اللفظي والجسدي كلما أخطأت في مهمتها.

تقول الفتاة إنها تعرضت مرارا للإهانة والشتم والضرب لأكثر من ثلاث سنوات من تلك العائلة، مؤكدة أنها كانت تُعامل كسجينة، حيث لا يمكنها مغادرة المنزل إلا في حالات نادرة.

وفي مقابل تلك المعاملة المهينة، كانت سنية تتقاضى شهريا 150 دينارا (ثمانين دولارا) تقوم بادخارها حتى تعطيها لأبيها في بعض المناسبات حتى ينفق على نفسه وبقية عائلته.

وزارة الداخلية التونسية نشرت بيانا أوضحت فيه أن تشغيل الأطفال القُصر دون سن الـ16 يمثل جريمة يعاقب عليها القانون

قصص مأساوية
هذه الحالة ليست سوى نموذج من مئات الحالات المأساوية المماثلة في البلاد، وكثيرة هي القصص التي تقع في تونس عن إرغام فتيات قاصرات على الانقطاع عن التعليم وإجبارهن على العمل كخادمات في بيوت غُرباء وسط ظروف مُهينة صعبة.

وبالرغم من أن القانون التونسي يمنع تشغيل الأطفال دون السنّ القانونية باعتباره يشكل استغلالا اقتصاديا، فإنّ هذه الظاهرة منتشرة بكثافة، لا سيما في مناطق الشمال الغربي، فبالأمس القريب حاولت طفلة الانتحار في العاصمة جراء سوء معاملتها من قبل مشغلتها.

وبعد الحادثة، نشرت وزارة الداخلية بيانا أوضحت فيه أن تشغيل الأطفال القُصر دون سن الـ16 يمثل جريمة يعاقب عليها القانون لأنه من شأنه أن يعرضهم للخطر.

وتؤكد رئيسة جمعية النساء التونسيات للبحوث حول التنمية سلوى كنو السبعي أن ظاهرة تشغيل القاصرات منتشرة بكثرة في الشمال الغربي من تونس، خاصة في منطقة فرنانة وعين دراهم.

وتضيف للجزيرة نت أنّ منطقة فرنانة أصبحت بمثابة سوق للاتجار بالفتيات القاصرات اللاتي يُرغمن من قبل آبائهن على الانقطاع عن التعليم والانفصال عن الأسرة والعمل مع الغرباء.

تحرش واغتصاب
وتروي محدثتنا بمرارة مآسي الفتيات اللاتي كن عرضة للاعتداء المعنوي والجسدي والتحرش الجنسي، وحتى الاغتصاب، وهو ما يدفع بعضهن للانتحار، بحسب قولها.

وتؤكد أن انتداب الفتيات القاصرات للعمل كخادمات منازل أمر سهل للغاية، موضحة أن هناك سوقا يحكمها العرض والطلب بين العائلات والسماسرة والمشغلين.

وترجع هذه الناشطة أسباب تفريط الآباء في بناتهم القصر دون مبالاة بما قد يصيبهن من كوارث إلى ارتفاع معدلات الفقر والجهل بواقع تلك المناطق المحاذية للحدود الجزائرية.

وانتقدت رئيسة الجمعية ما اعتبرته تراجعا في أداء مؤسسات الدولة لحماية الطفولة، وتتساءل "أين الدولة؟ وأين وزارتا الشؤون الاجتماعية والمرأة؟

وقد اتصلت الجزيرة نت مرارا بوزارة شؤون المرأة والأسرة للحصول على توضيح بشأن الموضوع، ولكن دون جدوى.

في المقابل، يقول مندوب حماية الطفولة بمحافظة جندوبة عمر البوكاري إن إرسال القاصرات للعمل كخادمات ظاهرة قديمة ولا زالت منتشرة بمناطق الشمال الغربي.

ويضيف للجزيرة نت "لم يتغير أي شيء فهناك عائلات فقيرة وغير متعلمة تفصل بناتها عن الدراسة وترسلها للعمل لدى عائلة أخرى من أجل الحصول على بعض المال".

ويؤكد أن وزارة شؤون المرأة -رغم ما تقوم به من جهود- لا يمكنها أن تعالج هذه الظاهرة بمفردها، مشيرا إلى أن الإشكال الحقيقي يتعلق أساسا بالتنمية والتكوين.

المصدر : الجزيرة