السفير عبد الله الأشعل*

ما هو الوصف القانوني لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في القانون الدولي؟

يشترك في صناعة القانون الدولي مع الدول والمنظمات الدولية وأحكام المحاكم الدولية عدد من الشخصيات غير القانونية (الشخصية القانونية الدولية هي للدول والمنظمات الدولية) أو كيانات غير رسمية، منها الشركات المتعددة الجنسيات، ومنظمات المافيا الدولية في جميع المجالات: السلاح، الرقيق الأبيض، المخدرات، الرق، الاتجار في البشر والأدوية، وغيرها من الكيانات التي تكون قدرات بعضها أكبر كثيرا من قدرات كثير من الدول في العالم الثالث.

وقد أضيفت حركات التحرر الوطني إلى قائمة شخصيات القانون الدولي، أي أنها من المخاطبين بأحكام هذا القانون، ومن أهمها القانون الدولي الإنساني الذى يعنى بضحايا الأعمال الحربية من المقاتلين وغير المقاتلين. ولكن حركات التحرر الوطني تم الاعتراف لها بمساحة محدودة من أهلية الوجوب والأداء، أي القدرة على التمتع بالحقوق والوفاء بالالتزامات. أما القانون الجنائي الدولي فإنه يخاطب الأفراد بصرف النظر عن المناصب الرسمية التي يشغلونها، وهو فرع جديد من فروع القانون الدولي يخاطب الأفراد العاديين داخل الدول، ما دامت أحكام القانون الدولي تخاطب الشخصيات القانونية الدولية وحدها، وتأثيرها على رعايا الدول في الفروع الأخرى يتم من خلال دولها.

وقد لاحظنا أن مجلس الأمن الدولي يخاطب الأفراد هو الآخر ويضعهم على قائمة الإرهاب ويفرض عقوبات معينة عليهم بناء على طلب الدول، وصار مجلس الأمن في هذا الباب ظاهرة جديدة، أضيف إليها اختصاص آخر للمجلس في نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وهو سلطة المجلس في اتخاذ قرار وفق الفصل السابع لإحالة دولة إلى المحكمة. وقد حدث ذلك عندما أحال السودان والقذافي في ليبيا، لكنه لم يتمكن من إحالة الرئيس السوري بسبب الفيتو الصيني والروسي. وقد رأت واشنطن أن يصدر المجلس قرارا ضد تنظيم الدولة الإسلامية من الناحية السياسية وهو القرار رقم 2170 يوم 15 أغسطس/آب الماضي، دون أن يحدد هوية التنظيم من الناحية القانونية والتكييف القانوني لأعماله، واكتفى بالإشارة إلى أنها ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية.

يبدو أن تنظيم الدولة ظاهرة وليس تنظيما بدليل أن كل من يشعر بالظلم في أرجاء العالم العربي يشعر بأنه هو الأقرب إليه وأنه يأخذ بثأره من جلاديه

ظاهرة جديدة
الحقيقة أن تنظمي الدولة ظاهرة جديدة أشبه في بعض الوجوه من حركات المرتزقة التي شجعتها واشنطن وباريس وغض الفاتيكان الطرف عنها في إسقاط نظم كثيرة في إفريقيا، بحيث صارت ظاهرة المرتزقة ظاهرة خطيرة على استقلال الدول الأفريقية في سياق الحرب الباردة قبل نهايتها عام 1990.

فما هو الوصف القانوني لتنظيم الدولة حتى يمكن وضعه في سياق القانون الدولي الراهن، خاصة أن مجلس الأمن في قراره المشار إليه لم يقرر إحالة التنظيم كمنظمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأنه يحول الدول وليس المنظمات، ولذلك اكتفى بإدانة أعماله التي اعتبرها انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان، وأن هذه الأعمال تعتبر جرائم ضد الإنسانية يتعين إحالتها إلى العدالة، كما فرض عقوبات منع السفر ومنع التمويل والحجز على الأرصدة بالنسبة إلى الأشخاص، وحدد ستة منهم على أساس أن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي كان أدرج على القائمة السوداء منذ العام 2011. كما حث القرار الدولي على تجفيف منابع المال والسلاح لهذا التنظيم.

وقد سبق لمجلس الأمن أن أدان هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على نيويورك، وأدان تنظيم القاعدة حتى قبل أن يتم التحقيق في هذه الهجمات، ولكن العالم كله كان متعاطفا مع الولايات المتحدة فلم يدقق في ما طلبته في مجلس الأمن، حيث تبين فيما بعد أن واشنطن كانت تخطط لغزو أفغانستان والعراق بهذه الذريعة التي رتبتها بنفسها.

والوصف القانوني لتنظيم الدولة يرتبط بتحديد ماهيته والأفعال التي يقوم بها، مما يجعل وضعه في سياق القانون الدولي الراهن قياسا على قواعده الحالية وبعد المقاربات المطلوبة أمرا صعبا، وربما نحتاج إلى وضع قواعد جديدة لمواجهة هذه الظاهرة الجديدة.

تنظيم الدولة ليس حركة مستوردة من الخارج، وإنما هو على الأرجح بقايا نظام صدام حسين والمواطنون السنة الذين شعروا بالظلم بعد التقسيم الأميركي للعراق إلى شيعة وسنة والتغول الإيراني في العراق

ليست مستوردة 
المعلوم لدى الناس عن تنظيم الدولة أقل بكثير من حقيقته، ويبدو أنه ظاهرة وليس تنظيما، بدليل أن كل من يشعر بالظلم في أرجاء العالم العربي يشعر بأن تنظيم الدولة هو الأقرب إليه وأنه يأخذ بثأره من جلاديه، ولذلك يتم القبض يوميا على أشخاص يتهمون بأنهم تابعون للتنظيم، علما بأن التبعية ليست لها سجلات وإنما بإعلان المواقف المؤيدة للتنظيم، خاصة أن الأخير ليس حركة مستوردة من الخارج، وإنما هو على الأرجح بقايا نظام صدام حسين والمواطنون السنة الذين شعروا بالظلم بعد التقسيم الأميركي للعراق إلى شيعة وسنة والتغول الإيراني في العراق، بالإضافة إلى استخدام بعض الدول لهذه العناصر وشعور الكثير من أبناء الدول العربية بأن تقوية السنة في العراق ربما يوازن طغيان الشيعة فيها. كما أن بعض الدول العربية ظنت أن تسليح المعارضات في إيران وسوريا يمكن أن ينقذ المظلومين من بطش العراق.

أما الشباب المسلم في أوروبا وفي العالم العربي ولأسباب مختلفة، فقد وجد بعضهم ضالته في تنظيم الدولة، خاصة أن الإعلام العربي مرتبط ارتباطا مباشرا بمصادر تمويله ذات الأجندات السياسية التي لا تقدم شيئاً مفهوما للمشاهد العربي. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه التنظيمات مدعومة من جميع الدول الأوروبية التي سهلت للأقليات المسلمة فيها الانخراط فيها للتخلص منها، ولكي يأكل المسلمون بعضهم بعضا لصالح إسرائيل.

نحن ندرك أن البحث في الجوانب القانونية لتنظيم الدولة مسألة ترفيه بالقياس إلى خطورة الحالة والحسابات السياسية فيها، خاصة أن الدول العربية أول من يغض الطرف عن القانون، ولن يوقف هذه الظاهرة إلا المراجعة الأمينة لكل الدول العربية لنفسها، كما أن واشنطن لن تقضي على التنظيم لخدمة أطراف عربية.

معنى ما تقدم أن تنظيم الدولة الإسلامية تنظيم غير رسمي لا يحتاج إلى تسجيل بإحدى الدول، وهو تعبير عن ظاهرة لها تجليات كثيرة ولها ضحايا أكثر، فضلا عن أن الدين يستخدم فيها بشكل خرافي، ويُستغل فيها حماس الشباب وفراغه وسنوات التنكيل به وتسطيحه وجهله بالدين وتوقد عاطفته الدينية، بالإضافة إلى المغريات المادية التي لا يجدها الشباب في أوطانهم. أما ما يقوم به التنظيم فهو صراع من أجل رسم خريطة جديدة للمنطقة وإلغاء الحدود الخاصة بالدول وإجراء عملية جراحية للكيانات السياسية القائمة، وهذا مخطط تلتقي عنده إسرائيل والولايات المتحدة وهذه التنظيمات.

إذا عرضت أعمال تنظيم الدولة على محكمة دولية تطبق القانون الدولي فإنها ستؤكد أن التنظيم انتقد السيادة الإقليمية للعراق وسوريا واحتل مناطق فيهما، ولا نعرف موقف سكان هذه المواقع هل هم مع التنظيم كحاضنة له أم أنهم يخضعون لإرهابه، أم هم يخضعون للطرف الأقوى في الصراع بحيث يصعب على المحكمة أن تحكم بأنه احتلال عسكري. أما ممارسات التنظيم خلال محاولة فرض هويته على السكان فهي تدخل فعلا في الجرائم ضد الإنسانية ويُسأل عنها التنظيم وقيادته، ولكن التنظيم يرى أنه يريد أن يقيم دولة يرتفع فيها اسم الله وفقا لمفهومه الغريب، في حرب تختلف عن حروب العصور الوسطى التي شنها المغول مثلا على الدولة العباسية وأوقفهم الظاهر بيبرس في جنين بفلسطين.

أما التنظيمات التي أعلنت انضمامها إلى تنظيم الدولة فإن المعول عليه هو خطرها على الفكرة الإسلامية وعلى التماسك الإقليمي وعلى خدمة أهداف أعداء الإسلام والمسلمين، وليس البحث في مدى صواب ما تعتقده أو مدى مشروعيته.

إن حل المشكلة يجب أن يكون حلا شاملا لأن ظاهرة تنظيم الدولة ظاهرة شاملة اشترك في إنشائها المسلمون والدول الأوروبية ليتحارب أعداؤهم، ولكن الجذر الأساسي لهذه الفوضى هي إسرائيل التي تمكنت من أن تلقي العرب في غيبوبة حتى يشهد العالم على بربرية المسلمين وسمو اليهود وعلى بربرية العرب وسمو إسرائيل.

وربما نكون بحاجة إلى عقلية إسرائيل داخل الجسد العربي حتى يمكننا التخلص من "داعشيتنا" التي تسكن في الكثيرين منا.
___________________
* سفير مصري سابق وأستاذ القانون الدولي

المصدر : الجزيرة