عبد الحسين شعبان*


كشف التقرير الذي نشره الكونغرس الأميركي وزاد على ستة آلاف صفحة أفرج عن 525 صفحة منها، عن انتهاكات صارخة لنظام العدالة الذي اعتمدته ديمقراطية عريقة مضى على تأسيسها قرنان ونصف قرن من الزمان تقريباً، خصوصاً عندما سلّط الضوء على تواطؤ أجهزة عليا فيما يتعلق بتجاوزات خطيرة لحقوق الإنسان، ولاسيّما ممارسة التعذيب على نحو منهجي، وهو ما كان العالم يتحدث عنه بثقة أحياناً وبغياب معلومات دقيقة في أحيان أخرى، لكن ما حصل للسجناء في سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب وقلعة جانكي، إضافة إلى السجون السرّية الطائرة والسجون السرّية العائمة (وسط البحر) كان بمثابة توجه جديد وغير معروف في السابق.

والتقرير كشف أيضاً عددا من الدول المتورطة في ذلك، اضطرارا أو اختيارا، وهي التي وافقت على وجود سجون سرية لديها لصالح "سي آي أي" أو لموافقتها على استجواب مشبوهين في قضايا "إرهابية" وذلك لحساب "سي آي أي" ناهيك عن التقنيات والوسائل التي استخدمتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمتعاونون معها لإجبار المتهمين على الإدلاء باعترافاتهم حتى وإن كانت كاذبة.

ولعلّ مثل هذه الجرائم تعتبر انتهاكاً شديداً لقواعد القانون الدولي الإنساني ولميثاق الأمم المتحدة الذي يحّرم التعذيب وللشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها تعتبر خرقاً سافراً لاتفاقية منع التعذيب الصادرة في العام 1984، علماً أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم، وينبغي ملاحقة مرتكبيها وتقديمهم للقضاء.

إن نشر تقرير الكونغرس أمر إيجابي، وينطوي على شفافية ما كان بدونها سيعرف ما جرى. وحتى وإن كان الإقرار جزئياً، فإنه يؤكد أن البلدان الديمقراطية لا تغطي عن الأخطاء والتجاوزات إلى الأبد، وذلك بفعل دور الرأي العام والمجالس النيابية ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام بالطبع، وتلك جهات مؤثرة في صنع القرار لا يمكن تجاوزها.

مثل هذه الجرائم تعتبر انتهاكاً شديداً لقواعد القانون الدولي الإنساني ولميثاق الأمم المتحدة الذي يحّرم التعذيب وللشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها تعتبر خرقاً سافراً لاتفاقية منع التعذيب

صدمة
وبقدر إيجابية نشر التقرير، إلا أنه شكل صدمة للعديد من الأوساط التي ظنت أن واشنطن تحمل قيما للعدالة والإنصاف واحترام حقوق الإنسان لا يمكنها أن تتجاوزها، لاسيما من الجانب الرسمي خاصة أن الانتهاكات التي حصلت بتوجيهات من مراجع عليا سمحت بممارسة ضغوط معينة تصل إلى درجة التعذيب النفسي والجسدي بهدف انتزاع اعترافات من المتهمين الخطرين. 

وقد استخدمت تلك الجهات وخصوصاً "سي آي أي" أعمالا منافية للقوانين الأميركية والدولية سكتت عنها أو بررتها الإدارة الأميركية أو لم تتخذ الإجراءات اللازمة لمساءلة مرتكبيها بذريعة خطر الإرهاب وتنظيمات القاعدة وعلاقة العراق بـ "الإرهاب" الدولي ووجود أسلحة دمار شامل، وهو ما اتضح كذبه، ومع ذلك ظلّ الرئيس السابق جورج بوش يعرب عن فخره واعتزازه بما أبداه الجنود الأميركان من شجاعة حتى بعد انكشاف العديد من الخروقات.

وإذا كان عدد من المثقفين العرب كتب عن سجن أبو غريب وغوانتانامو ومحاولات الإيهام بالغرق وعن احتجاز المعتقلين والسجون السرية، فإن بعضهم الآخر اعتبر سوء أوضاع السجون العربية وتفشي التعذيب الروتيني أمرا شائعا، وهو الذي ينبغي الحديث عنه. في حين أن التعذيب واحد، سواء كان دوليا أو محليا، وهو خارج نطاق الأيديولوجيا، لأن المسألة إنسانية وقانونية بالدرجة الأولى، وخارج هاجس العداء للأميركان أو للحكام المحليين، وهكذا كان نشر التقرير صدمة لكل إنسان ذي ضمير حي، سواء أكان أميركيا أم أجنبياً، لأنه فصل حزين للتاريخ الأميركي والإنساني.

لكن "سي آي أي" لم تستسلم وكان ردها سريعاً، فقد أنشأ مسؤولون سابقون بها موقعاً إلكترونيا للرد على حملة الانتقادات العنيفة الموجهة للتقرير ولسياسة واشنطن، إضافة إلى مطالبة البعض بمساءلة المسؤولين. وأطلق على الموقع اسم "سي آي أي سيفد لايفز دوت كوم" وهو يعني أنها أنقذت أرواحاً كثيرة، دون أن ينكر أنها لجأت إلى تقنيات استجواب قاسية كانت "ضرورية" باعتبارها ناجعة في الحصول على المعلومات ولإنقاذ أرواح بشر كان يمكن أن يقضوا بحكم العمليات "الإرهابية".

وملخص التقرير أن "سي آي أي" استخدمت في حالات معينة تقنيات لم تسمح بها الحكومة الأميركية. كما أن التقرير يتهمها بأنها كذبت على الجمهور، مثلما كذبت على الكونغرس وعلى البيت الأبيض بشأن فعالية برنامج التقنيات المذكور، خصوصاً عندما جعلت موضوع إنقاذ الأرواح هدفه الأساسي أو المعلن، إلاّ أن جورج تينت المدير السابق لـ "سي آي أي" حاول دحض هذه الاستنتاجات الواردة في الخلاصة بزعم أن البرنامج كان فعالا وتمكن من الحيلولة دون وقوع خسائر في أرواح الأميركيين أو حلفائهم.

لقد ساهم برنامج وكالة المخابرات المركزية المشار إليه في تحطيم سمعة الولايات المتحدة وأبرز فشلها في تبرير حروبها في الشرق الوسط، ناهيك عن التكاليف المالية الإضافية التي دفعتها الولايات المتحدة، خصوصاً عندما ترافق الأمر مع أزمة مالية واقتصادية طاحنة وردود فعل من الرأي العام غاضبة وخسائر مادية وبشرية بسبب الحروب والمغامرات، وهو ما دفع الرئيس باراك أوباما للتعهّد بعدم تكرار استخدام وسائل التحقيق القاسية، وقال إن تلك الأساليب أحدثت أضراراً بالغة بالمصالح الأميركية في الخارج ولم تخدم الجهود العامة لمحاربة "الإرهاب". كما أقرّ مدير "سي آي أي" الحالي جورج برينان بأن الوكالة ارتكبت أخطاء باستخدامها التعذيب وسيلة للاستجوابات، لكنه حاول تبرير ذلك بأن هذا الأمر منع وقوع اعتداءات بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول العام 2001.

لقد صدر التقرير من لجنة شؤون الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي، وهو ما أكسبه أهمية خاصة، وقد استثمر الجمهوريون الأمر وسيستثمرونه لصالحهم سواء في الانتخابات النيابية أو في الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو أمر مألوف حين يتم تسييس أي حدث في ظل الصراع الانتخابي بين الحزبين.

والسؤال الآن: لماذا كانت "سي آي أي" تخفي مثل تلك المعلومات؟ ولماذا ترسل السجناء إلى مناطق استجواب أخرى؟ والجواب المنطقي هو بسبب وجود قواعد صارمة تمنع معاملة السجناء بطريقة قاسية، ولأنها تعرف أنه في تلك المناطق يمكن استخدام أساليب أكثر إيلاماً للسجناء، ولهذا لجأت إلى الاستعانة بمصادر خارجية، وهو ما يطلق عليه "التعذيب بالوكالة" وقد ازدادت هذه الممارسة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول. وقد تناول التقرير حالات تتعلق بالدفن الوهمي والتعذيب القسري والإيهام بالغرق والاستجواب المشدد لعدّة أيام والحرمان من النوم والاغتصاب الجنسي وانتزاع معلومات قسرية وغير منطقية من المتهمين.

كان نشر التقرير صدمة لكل إنسان ذي ضمير حي، سواء أكان أميركيا أم أجنبياً، لأنه فصل حزين للتاريخ الأميركي والإنساني

دول متورطة
وقد كشفت دعاوى رفعت إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ تورط عدد من الدول الأوروبية في قضية السجون السرّية التي استخدمت للتحقيق وممارسة التعذيب مثل بولونيا ورومانيا وليتوانيا وغيرها.

فهل سيؤدي نشر هذا التقرير إلى تغيير وكالة المخابرات الأميركية أولوياتها، علماً بأنها تعرّضت لعقود من الزمان لانتقادات شديدة، سواء خلال فترة الحرب الباردة حيث كانت تتذرع بـ "الخطر" الشيوعي، أو ما بعدها حين أخذت تتوكأ على "الخطر" الإسلامي.

لقد كانت فضائحها وفشلها صارخين، سواء في إنزالها الشهير في خليج الخنازير في كوبا مطلع الستينيات من القرن الماضي أو صفقة بيع الأسلحة إلى إيران (إيران غيت) في الثمانينيات، أو صفقة الكونترا في التسعينيات ضد الثورة في نيكاراغوا، إلى زعم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق وعلاقته مع الإرهاب الدولي وتنظيم القاعدة في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي، لدرجة أن كولن باول وزير الخارجية -حينها- اضطر للاستناد إلى معلوماتها الكاذبة في تصريحه أمام الأمم المتحدة، أو عملها مع بعض المعارضات والفساد المالي والإداري الذي صاحب ذلك، ثم جاء موضوع إساءة استخدام معاملة المعتقلين.

نستطيع القول إن محاولات أوباما اليوم لاحتواء تداعيات فضيحة التعذيب، والتقرير الذي صدر عن مجلس الشيوخ، لن تجدي نفعاً، وأن الضرر تحقق وليس بالإمكان تجاوزه، لاسيّما انعكاساته دولياً، فبعض دول العالم الثالث أثلج صدرها نشر التقرير، فإذا كانت ديمقراطية عريقة مثل الولايات المتحدة تلجأ للتعذيب، فلماذا يعتبون عليها؟ وقد استغلت الصين ذلك فسارعت إلى انتقاد الولايات المتحدة ودعتها لإصلاح أساليبها واحترام المواثيق الدولية، وكأنها تردّ على اتهامات واشنطن لها بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان. وعلى الرغم من إشادة الاتحاد الأوروبي بنشر التقرير إلا أنه أدان جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة كما جاء على لسان المسؤولة عن السياسة الخارجية.

إذا كان تقرير الكونغرس لم يذع سرّا جديداً، خصوصاً بشأن ممارسة التعذيب على نطاق واسع منذ الحرب على "الإرهاب" ولاسيّما منذ إدارة الرئيس بوش، فإنه كان فضيحة سياسية للولايات المتحدة، ورغم إقرارها بالخطأ وتعهد الرئيس أوباما بعدم تكراره، فإنه لم يمضِ أبعد من ذلك بالمساءلة أو تقديم المرتكبين إلى القضاء.

وإذا كان التعذيب رذيلة في العالم الثالث، فهو رذيلة أيضاً في الدول المتقدمة، ورذيلتان لا تنجبان فضيلة، مثلما جُرمان لا ينجبان عدالة.
-------------
* باحث ومفكر عربي

المصدر : الجزيرة