قصة السجين السوري الذي توضأ بدمه
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 16:05 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 16:05 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ

قصة السجين السوري الذي توضأ بدمه

علي أصيب بالذهول حين وقعت عيناه على جثة صديقه
علي أصيب بالذهول حين وقعت عيناه على جثة صديقه

علي أبو مريحيل-أستكهولم

فجأة شعرت بأن قلبي قفز من مكانه، وأن الدماء التي في عروقي جفّت، وكأن الله قبض روحي للحظات قبل أن تعود إليّ رقما ملقى على جثة هامدة.

هكذا وصف علي حالته حين انتفض من سريره صارخا في غرفته بأحد معسكرات اللجوء بالسويد، عندما وقعت عيناه صدفة على ملامح الرقم 2991، وهو يطالع الصور المسربة لجثث زملائه الذين قضوا في أقبية الفرع 215 بدمشق.

إنه هو، صديقي "م ق" الذي كان يحرس صلاتي من أعين الأمن حين كنا نصلي خلسة في الليلة الأولى لنا بإحدى المنفردات، قبل أن تضيق علينا في صباح اليوم التالي بالمعتقلين الأحياء منهم والأموات.

حالة من الصدمة كانت تسيطر على اللاجئ السوري علي حسن أثناء حديثه للجزيرة نت عن الأهوال التي شاهدها حين كان معتقلا في سرية المداهمة، أو ما يعرف بالفرع 215 التابع لشعبة المخابرات العسكرية بدمشق، الذي ارتكب فيه النظام السوري مجازر بشعة بحق المعتقلين تم تشبيهها بالمحرقة النازية.

يقول علي "تعرفت على "م ق" في مهجع الخشب رقم 8، كنا نحو 74 معتقلا في غرفة لا تتجاوز أربعة أمتار، ونظرا لملاصقة مهجعنا لغرفة المساعد، كان لنا نصيب الأسد من أعمال السخرة، التي تشمل تنظيف المهاجع والحمامات، وتوزيع الطعام على المعتقلين، ونقل الجثث من غرف الموت المنتشرة في الفرع إلى مكان واحد تمهيدا لنقلها إلى جهة غير معلومة".

ويتابع: في إحدى المرات سمعَنا عنصرٌ من الأمن ونحن نتمتم بالبسملة أثناء رفع جثة طفل لا يتجاوز الـ15، فكانت العقوبة مغلّظة، حيث تم سحبنا على ظهورنا إلى غرفة المساعد، وهناك تعرضنا لأبشع أنواع التعذيب، الجسدي والنفسي، ولا أنسى كيف أجبرنا على البسملة باسم بشار الأسد، والنطق بالشهادتين على طريقتهم الخاصة "أشهد أن لا إله إلا بشار، وأشهد أن محمدا...".

من صور مسربة عرضتها الأمم المتحدة لضحايا التعذيب في السجون السورية (الجزيرة)

دعاء للموت أو النجاة
بعد حفلة التعذيب التي شملت الضرب المبرح بكل الأدوات على كافة أجزاء الجسد، والصعق الكهربائي، والشبح، نُقلنا إلى غرفة منفردة، بالكاد تسعنا نحن الاثنين، ولكنها كانت أيسر حالاً من المهجع الذي لم نكن ننام فيه إلا قرفصة، فجأة وبلا مقدمات قررنا معا في لحظة واحدة أن نتضرع إلى الله علّه يسعفنا بالموت أو النجاة.

سألته إن كان على وضوء، فأجاب مبتسما رغم آلامه وجراحه: أبعدَ كل هذا الكفر تريدني أن أحافظ على وضوئي! وأضاف بصوت خافت: ماذا عنك؟ فقلت مداعبا: أما أنا فقد انتقض وضوئي منذ الكرباج الأول.

كنا في حيرة من أمرنا، كيف نتوضأ لنصلي ولا ماء لدينا؟ كانت الأرض في تلك الأثناء مضرجة بدمائنا، فشرع "م ق" يبلل كفيه بالدماء وينطق الشهادتين وهو يمسح وجهه وساعديه، فقمت بتقليده ودموعي تنهمر، كان المشهد مربكاً، فلولا الأنات والصرخات التي كنا نطلقها بين حركة وأخرى، لظننت أننا في حصة سينمائية.

لم نلبث أن بتنا ليلة واحدة، حتى تفاجأنا في صباح اليوم التالي بضم ستة معتقلين إلينا جاؤوا لتوهم من حفلة مماثلة، وكان بينهم طبيب طاعن في السن، لم يمض بيننا ساعة واحدة حتى فارق الحياة، فطرقنا الباب علهم يأخذوه إلى غرفة العزاء (اسم يطلق على الغرفة التي يتم فيها تجميع الجثث) فجاء الجواب: لا تطرقوا الباب مرة ثانية حتى يصبح عدد الجثث ثلاثة.

يتابع علي: بقينا في الغرفة أسبوعا، وبالفعل لم يفتح علينا الباب حتى وصل عدد الجثث إلى ثلاثة، في ذلك اليوم أعادوني أنا وصديقي "م ق" إلى المهجع الثامن، وقاموا بضمنا مرة ثانية إلى عمّال السخرة، فكنا ننقل الجثث تحت أعين الشبيحة، ولم نكن نجرؤ على البسملة حتى في سرّنا لشعورنا أنهم يعدّون علينا أنفاسنا المعلقة.

وعن أعداد القتلى في الفرع 215 وظروف موتهم، يقول علي خبر الموت في الفرع مثل تحية السلام، هو شيء اعتيادي، "فلان مات" وتنتهي الحكاية. ويضيف كان يموت في اليوم الواحد نحو عشرين معتقلاً، بعضهم يموتون بسبب التعذيب، وآخرون بسبب الأمراض المتفشية بين المعتقلين مثل اليرقان والإسهال.

أما عن ظروف اعتقاله فيقول كنت عائداً للبيت أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2012، حين اعتقلت على أحد الحواجز العسكرية بريف دمشق بتهمة الإرهاب، وتعني (التظاهر، والتعامل مع المسلحين، وتهريب الأسلحة)، يقول علي كنت طالبا في كلية التجارة، ولم يكن لدي أي نشاط سياسي، لكنني لم أتفاجأ بالتهمة، لأن خمسة من أصدقائي في الجامعة اعتقلوا بالتهمة ذاتها. ويضيف أن نحو 75% من المعتقلين في الأفرع الأمنية هم من طلبة الجامعات، وقد التقى العديد منهم في الفرع 215.

وعن خروجه من السجن يقول كان ذلك في منتصف عام 2013، كنت محظوظا لأن اسمي كان مدرجا على قائمة الأسرى المفرج عنهم في إطار المبادلات التي كانت تتم بين النظام والجيش الحر، وأشار علي في معرض حديثه إلى أن النظام يعمد إلى اعتقال عدد كبير من الشبان والشابات لاستخدامهم ورقة في إطار "المصالحات الوطنية" التي كان يعلن عنها بين الفينة والأخرى لمآرب خاصة.

في ختام حديثه، ناشد علي عبر الجزيرة نت منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني التدخل لوضع حد للانتهاكات الخطيرة التي يرتكبها النظام بحق المدنيين في سوريا، مؤكداً أن غياب المحاسبة بحق مرتكبي هذه الجرائم سيؤدي إلى اتساع رقعة العنف، وبالتالي المزيد من نزف الدماء ليس فقط في سوريا بل في كامل المنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات