غاريث بايلي*

تمرّ سوريا اليوم بكارثة إنسانية وسياسية كبيرة نتيجة لتعنت نظام الرئيس بشار الأسد ورفضه الدائم الانخراط الجدّي في عملية سياسية تنهي مأساة الشعب السوري، حتى إنه لجأ إلى تغييب أصوات سورية معتدلة كان مصيرها السجن والإخفاء القسري.

هؤلاء هم سجناء الضمير في سوريا الذين يحتاجون اليوم مساعدة إنسانية عاجلة، ولهذا أطلقت وزارة الخارجية البريطانية حملة إنسانية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتلقي الضوء عليهم بغية إطلاق سراحهم فورا، وتمّ تخصيص وسم #أطلقوا_سجناء_الضمير_السوريين على تويتر وفيسبوك من أجل دعم هذه الحملة وإتاحة المجال للجمهور للتفاعل معها.

سجناء الضمير في سوريا هم مثقفون وكتاب وصحفيون ومحامون وإعلاميون وأطباء يحملون رأيا مختلفا عن رأي نظام الأسد، لا بل إن بعضهم لم يكن يدلي برأيه السياسي مكتفيا بالدفاع عن حقوق السجناء، ومع ذلك تعرضوا لعملية قمع وحشية من قبل النظام تمثلت بالاختطاف والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، كما تؤكد منظمات حقوقية عديدة.

إلى متى يبقى التغييب والموت عقوبة من يحمل رأيا مختلفا في سوريا؟ اعتقال الناس لمجرد أن لهم رأيا يختلف عن النظام مشكلة قديمة جديدة في سوريا، حيث إن بعض سجناء الضمير الحاليين فيها سبق أن قضوا سنوات طويلة في السجن خلال العقود الماضية.

يكرر النظام مزاعمه أنه "لا يعتقل إلا المتطرفين والإرهابيين"، لكن قائمة الشخصيات السورية المعروفة المعتقلة -والتي يجمع أغلب السوريين على اعتدالها- هي قائمة طويلة جدا، ونذكر هنا بعض الأسماء على سبيل المثال لا الحصر:
- المحامي والناشط الحقوقي خليل معتوق الذي دافع بشكل سلمي عن السجناء السياسيين أمام المحاكم السورية منذ عقود، واشتهر باعتداله وسلميته، ومع ذلك اعتقل في أكتوبر/تشرين الأول 2012، واحتجز في ظروف تبلغ حد الإخفاء القسري وفق منظمات حقوقية دولية.
- والطبيب المعارض الدكتور عبد العزيز الخيّر الذي سجن سابقا لمدة 14 عاما، وكان يعالج في زنزانته السجناء، ومع انطلاق الثورة في سوريا نشط بشكل كبير داخل البلاد وخارجها بشكل سلمي، ومع ذلك اعتقل في سبتمبر/أيلول 2012 على طريق مطار دمشق الدولي مع ناشطين آخرين هما إياس عياش وماهر طحان.

وهناك شخصيات أخرى أدبية وثقافية معتقلة، مثل الكاتب السيناريست عدنان الزراعي، والفنان المسرحي زكي كورديلو، فضلا عن آخرين ممن اعتقلوا وباتوا يعانون ظروفا قاسية في السجون.

هؤلاء السجناء هم أبناء المجتمع السوري الذي مزقته سياسات النظام، ويمثلون غناه وتنوعه وتعدده، وتغييبهم يهدف إلى سحق أي اعتدال موجود أمام النظام ليبقى يردد مزاعمه بأنه يواجه المتطرفين.

تقارير عديدة أشارت إلى أن نظام الأسد أطلق سراح متطرفين من سجونه بعد عام 2011، وأبقى على المثقفين. وهذه أيضا عادة قديمة جديدة للنظام، فكثيرا ما كان يصدر مراسيم عفو عن سجناء جنائيين ويستثني منها المعارضين الذين كانت معارضتهم لا تتجاوز كتابة مقال أو إصدار منشور أو التعبير عن رأي في مقهى أو حافلة نقل عام أو حتى في منازلهم.

أي عملية سياسية في سوريا وأي عملية بناء ومداواة لجراح السوريين سوف تحتاج أصوات سجناء الضمير فيها، لأنهم يمثلون المجتمع السوري وتنوعه، ولأنهم عبّروا عن رأيهم بجرأة في أصعب الظروف.

لذلك ندعو لإطلاق سراح سجناء الضمير وتقديم العلاج الطبي العاجل لهم، والكشف عن مصير المغيبين منهم، فهناك عائلات تنتظرهم، وبلد أثقلته الجراح يحتاجهم.

لذلك فإن على النظام السوري أن يطلق سراح سجناء الضمير فورا دون شروط مسبقة، لأنه التزام يتعلق باحترام حقوق الإنسان يتعيّن عليه القيام به.

وبينما نقترب من استئناف المفاوضات بين النظام والمعارضة تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن على النظام السوري أن يقوم بإطلاق سراح السجناء، وأن يكشف عن مصير المختفين منهم، كإجراءات لبناء الثقة نحو السلام المنشود عن طريق التفاوض. ورفضه القيام بذلك سيكون عملا غير إنساني ويلحق ضررا بآفاق السلام ومستقبله في سوريا.

-------

*المبعوث البريطاني إلى سوريا

المصدر : الجزيرة