أحمد الأمين-نواكشوط

لم يستطع أهل محمدو ولد صلاحي نسيان ذلك المساء من رمضان حين استدعى مسؤول أمني ابنهم المهندس للحديث معه على أن يعود قبل الإفطار.. انتظرت الأسرة ولم يعد محمدو، ظلوا ينتظرونه، وطالما حملوا الطعام والملابس إلى المفوضية "بناء على طلب منه" حسبما كان الأمن يبلغهم، ليكتشفوا لاحقا أن ذلك مجرد وهم.

طال الانتظار وغاب كل خبر عن محمدو، قبل أن تفاجأ الأسرة بأن ابنها أصبح رقما بين أرقام كثيرة في معتقل غوانتانامو السيئ السمعة. صعقت الأم لهول الخبر وزادت حسرتها حين علمت أن حكومة بلاده سلمته للأميركيين، فقدت بصرها لحزنها، قبل أن تفارق الحياة بعد عشر سنوات من الحزن المتواصل والصراع مع المرض.

اعتقل محمدو ولد صلاحي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2001 من طرف الأمن الموريتاني وسلمته حكومة بلاده إلى الولايات المتحدة، على خلفية علاقة مفترضة ببعض المشاركين في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على واشنطن ونيويورك، حيث نقلته المخابرات الأميركية إلى الأردن ثم إلى قاعدة بغرام الجوية بأفغانستان، قبل أن يحط الرحال في معتقل غوانتانامو.

شقيق ولد صلاحي يقول إن أخاه أخبره
بأن الحكومة لم تسع لإطلاق سراحه
 (الجزيرة)

رحلة ولد صلاحي مع المعاناة لم تبدأ مع وصوله إلى غوانتانامو، بل إنه تعرض لتعذيب أشد على يد المحققين في محطتيه بالأردن وبغرام، ويحكي صنوفا من ذلك تقشعر لها الأبدان في مذكراته التي صدرت أواخر العام 2014 تحت عنوان "يوميات غوانتانامو".

وقد تبنت منظمات وهيئات حقوقية موريتانية ودولية قضية ولد صلاحي، ونظمت العديد من الاحتجاجات في موريتانيا للمطالبة باستعادته من الأميركيين، لكن جميع تلك الجهود باءت بالفشل حتى الآن رغم إطلاق سراح زميله الموريتاني الثاني أحمد ولد عبد العزيز في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي إطار هذه الجهود ساءل البرلمان الموريتاني الأربعاء وزير الخارجية حمادي ولد اميمو حول وضعية ولد صلاحي والجهود الحكومية لإطلاق سراحه، وانتقد نواب المعارضة خلال جلسة الاستجواب ما سموه تقصيرا حكوميا في هذا الملف.

وقالت عضوة البرلمان عن حزب "تواصل" المعارض منت التقي إن السلطات الموريتانية لم تول أي أهمية لقضية ولد صلاحي، ولم تشعر بمحنة أسرته، ولم تقدم لها المواساة، مشيرة إلى أنه بدل ذلك كان الأمن يتلاعب بها ويغالطها.

وطالبت الحكومة برفع قضية ضد كل من عذبوا ولد صلاحي، بينما طالب نواب آخرون بمعاقبة المسؤولين عن تسليمه للأميركيين، وتشكيل لجنة برلمانية لمتابعة قضيته والضغط على الإدارة الأميركية.

ولد اميمو أكد بذل الحكومة جهودا
لإطلاق سراح ولد صلاحي
(الجزيرة)

جهود حكومية
وزير الخارجية الموريتاني حمادي ولد اميمو أكد أن حكومة بلاده تبذل جهودا متواصلة من أجل إطلاق سراح ولد صلاحي، وأعرب عن أمله في أن تكلل هذه الجهود بالنجاح في وقت قريب ويتم إطلاق سراحه كما حدث مع زميله في المعتقل الذي أطلق بفضل ما بذلته موريتانيا من جهود، حسب تعبيره.

وزاد ولد اميمو أن موضوع ولد صلاحي يحظى بأولوية لدى الرئيس محمد ولد عبد العزيز، مضيفا "ونحن نواصل جهودنا لإطلاق سراحه عبر الطرق والأساليب الدبلوماسية، وهو ما يجعل البعض غير مطلع على تفاصيلها".

14 عاما مضت حتى الآن على تسليم محمدو ولد صلاحي من حكومته إلى الأميركيين، ويقول شقيقه إن معاناة أسرته لم تكن أقل من معاناته "فقد عشنا مأساة إنسانية، فقدنا أمنا التي فاضت روحها حزنا على ولدها دون أن تراه، وفقدتُ شخصيا من كان سندي وعوني في دراستي وحياتي".

ويضيف يحظيه ولد صلاحي في حديث للجزيرة نت أن "أحزان هذه الأسرة تتضاعف بسبب تجاهل الحكومة لقضية محمدو، فلم نشعر بأي اهتمام من السلطات بملفه، ونطالب الحكومة بالتواصل معه ومع محاميه ليشعر بأن بلده يهتم بأمره، كما نطالبها بالسعي لدى الأميركيين من أجل إطلاق سراحه".

وأكد يحظيه أنه في آخر اتصال مع شقيقه يوم 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري قال "إن المحامين والمحققين أخبروه بأن بلاده لم تطلب استلامه ولم تسع لإطلاق سراحه".

المصدر : الجزيرة