وليد الماجد*

تمر باريس هذه الأيام -ومعها باقي المجموعة الأوروبية- بمنعطف تاريخي مفصلي غير مسبوق منذ أحداث الحرب العالمية الثانية.

ويبدو أن تتابع الهجمات الإرهابية عليها منذ قرار مشاركتها الفاعلة في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية وما تلا ذلك من عملية شارلي إيبدو، ثم الهجوم المزدوج مؤخرا الذي خلف نحو 130 قتيلا ومئات الجرحى، ألقى بثقله الأمني على نمط وقيم المجتمع الفرنسي، حيث تشير التصريحات الإعلامية والصحفية للمسؤولين الفرنسيين إلى أن فرنسا تحديداً -ومعها بلجيكا- تسير في الطريق الوعر الذي مهدت له الأحداث التاريخية يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001.

فقد سيطرت أفكار تغليب حماية "الأمن القومي والوطني" في الداخل الأميركي على حساب الحفاظ على قيم ومكتسبات الحقوق والحريات، وشرعت الولايات المتحدة في ترهيب الإنسان عبر سنها عام 2001 "قانونا نازيا" يعرف باسم "القانون الوطني" الذي شبهه المراقبون آنذاك بالقانون الذي أصدره هتلر عام 1933 إبان ما يعرف "بحريق البرلمان الألماني"، حيث استغل هتلر إضرام أحد الشيوعيين النار في مقر البرلمان الألماني ليمرر مرسوم طوارئ علق بسببه الحريات المدنية والعامة، ونفذ اعتقالات عشوائية مهدت للقضاء حينها على كل أشكال المعارضة السياسية، مما أفرز لاحقا استحواذ الحزب النازي على كل مقاعد البرلمان ومن ثم الاستفراد بالسلطة.

لقد شرع القانون الوطني الأميركي -بعد أحداث 11/9/2001- في دك الحريات المدنية وتكبيل الحقوق حتى أثرت كثيرا على مبادئ الحرية الشخصية والحريات الصحفية والتعبير وحرية التجمع التي ما فتأ الأميركيون يعظون بشأنها بقية العالم، حيث منح هذا القانون (الجزآن 213 و215) قوات الأمن الأميركية حرية التنصت على المكالمات الهاتفية وتفتيش البيوت دون إنذار مسبق. كما أباح الجزء 216 منه الولوج إلى حواسيب الأفراد ونسخ المعلومات ومراقبة الهواتف والإنترنت، وفق تقدير الأجهزة الأمنية ودون الحاجة إلى أخذ إذن من المحكمة.

ومن خلال القانون أيضاً، منحت الأجهزة الأمنية الحق في أن تشخص أية فعالية سياسية معارضة لها وتصنفها على أنها عمل إرهابي يهدد سلامة الجمهور. ناهيك عن الجزء 412 الذي أعطى السلطات الأمنية الحرية الكاملة في اعتقال أي أجنبي -لفترة غير محدودة- دون السماح له بلقاء محامين ودون رقابة من المحكمة.

وقد كتبت مسؤولة النقابة الأميركية لحريات المواطن لورا مرفي حينها معلقة على القانون بالقول "إن معظم الأميركيين لن يفهموا أن مجلس النواب وافق الآن على القانون الذي يمنح السلطات صلاحيات غير محدودة للتدخل في حياتنا الشخصية، لاعتقال أشخاص دون إجراءات قانونية، ولمعاقبة أي مواطن يعبّر عن احتجاجه".

الأمة اليقظة لا تقبل المساومة أو التخلي عن قيمها حتى لو كانت في حالة صراع أو مواجهة مع ما يسميه الغرب اليوم "الإرهاب" ترسيخاً لعبارة فيخته الشهيرة: ينبغي للعدل أن يتحقق حتى لو خرب العالم

اعتداءات عنصرية
وعقب أحداث باريس، فرضت الحكومة الفرنسية حالة الطوارئ فوراً ومعه علقت كافة المظاهرات، وأعطي للأجهزة الأمنية الصلاحية اللازمة لاعتقال الأشخاص وترحيلهم بدون إجراءات قضائية مسبقة. كما دوهمت بيوت بالجملة في سان دوني، وقتلت الشرطة الفرنسية هناك شخصين في ظروف وتفسيرات غامضة، وأعلن عن اعتقال بعض أقارب المتهمين بالتفجير.

وصرّح وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف لوسائل الإعلام بأن الحكومة ستبحث قراراً بحل المساجد التي تبث خطاب العنف والتطرف، وستطرد أولئك الذين يدعون إلى "الكراهية" في فرنسا، سواء أكانوا منخرطين فعلا أو "نشتبه" في أنهم منخرطون في أعمال ذات طابع إرهابي. وسجلت الجمعيات الناشطة في مجال مكافحة العنصرية ارتفاع وتيرة الاعتداءات العنصرية ضد المسلمين بنسبة قدرها 281% عن الأعوام السابقة. ونقلت صحيفة ذي تايمز البريطانية عن مسلمين فرنسيين أن حكومة باريس تستغل حالة الطوارئ لتكثيف الاعتداء عليهم وعلى حرياتهم وأماكن دور عبادتهم.

كما ذكر كازنوف نفسه أن الحكومة أقرت زيادة كبيرة جدا في إمكانيات أجهزة الاستخبارات حتى قبل الاعتداءات الأخيرة، وذلك عبر خلق 1500 وظيفة وتخصيص نحو 233 مليون يورو (254 مليون دولار)، وتوسيع صلاحيات هذه الأجهزة الأمنية من خلال إجراءات تشريعية جديدة.

وفي نفس السياق، أعلنت بريطانيا أيضا عن زيادة بنسبة 15% في الموظفين لوكالات التجسس (أم.آي6، أم.آي5، وجي.سي.إتش.كيو) على حساب تقليص النفقات المخصصة للرفاه الاجتماعي. كما تعتزم ألمانيا القيام بالإجراءات ذاتها كما جاء على لسان وزير داخليتها توماس دي مايتسيره في الاجتماع الأخير لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي.

اليوم تعلن فرنسا -ومعها باقي المجموعة الأوروبية- عن إعادة تقييم شاملة لكامل الحقوق الأساسية، بما فيها الحق في الكرامة الإنسانية (المادة 1 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي)، وحرية الفكر والوجدان والدين (المادة 10)، وحرية التعبير والمعلومات (المادة 11)، وباقي الحقوق المرتبطة بها ارتباطا وثيقا كالحريات المدنية المختلفة.

يعيش العالم مراحل بالغة في الوهن على مستوى الحقوق بعدما أضحى هذا المفهوم -الذي كان فاتحة القرن الحديث- مهزوماً اليوم لصالح تحقيق الغايات الأمنية والاستخباراتية

مناخ متغير
وقد صرّح رئيس لجنة الشؤون الحريات المدنية بالبرلمان الأوروبي البريطاني كلود مورايس بأن "المناخ السياسي والحقوقي في أوروبا آخذ في التغير".

وكانت الصحف البريطانية نشرت الأسبوع الماضي عزم الأوروبيين إنشاء قوانين جديدة تلزم الشركات التقنية -مثل غوغل وغيرها- بمنح أجهزة الاستخبارات إذن الحصول على معلومات تتعلق بتفاصيل سلوك الفرد عبر الإنترنت، وهو ما يشمل السماح للسلطات الأمنية أيضاً بدخول البريد الإلكتروني الشخصي للأفراد دون أوامر قضائية مسبقة. وهناك تقارير تشير إلى عزم الأوروبيين الحد من بيع أنظمة وبرامج التشفير أو منح الأجهزة الأمنية إمكانية فك تشفير البرامج حين الحاجة إليها، وهو ما يهدد ليس فقط الخصوصية الرقمية للأفراد، بل سيخلق بيئة غير آمنة للتعاملات البنكية والتجارية الجاري تعزيزها الآن دوليا عبر الإنترنت فيما يعرف بالتجارة الإلكترونية، حيث ستنشط -فور تخفيف إجراءات التشفير- كافة الجرائم المعلوماتية من خلال قراصنة الأموال والهويات على الإنترنت والتي كلفت العالم عام 2014 فقط أكثر 500 مليار دولار.

ورغم أن محكمة العدل العليا الأوروبية قضت بأن الاتفاقية الأمنية حول تبادل البيانات بين أوروبا وأميركا غير قانونية وتعد خرقاً لخصوصية الأفراد، فإن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2011 في الولايات المتحدة وما تلاها من تفجيرات مدريد عام 2004 ثم لندن عام 2005 وأحداث باريس الأخيرة، دفعت المزاج الأوروبي إلى الميل نحو تعديل تشريعاتها لمنح الأجهزة الأمنية سلطات أكبر في تعقب حياة الأفراد إلكترونيا، وهو الأمر الذي كشفته أيضا تسريبات إدوارد سنودن عام 2013 حول الاتفاقيات الأمنية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث أشارت التسريبات إلى وجود بيانات واسعة للأفراد تخضع للمراقبة الشديدة ومنها برنامج "مراقبة سجلات الهاتف" ووجود حوالي 47 ألف شخص على قائمة حظر الطيران.

تضج الجمعيات والمؤسسات الحقوقية في أوروبا بهذا الشحن الأمني الكبير، وتراه تهديداً حقيقياً يلبد سماء الحريات في بلدانهم، كما تجده نكوصاً عن احترام القوانين والمعاهدات التي صاغها الغرب بنفسه وبشر باقي العالم بحفظ واستدامة حقوق الإنسان. ويوشك ستار "دواعي الأمن" أن يلقي بظلاله على حياة الشعوب الغربية ويهدد طموحاتها وأحلامها، وقد اكتوى العالم العربي قبله بنيران هذه "الدواعي" ولم تترك له القبضة الأمنية المشددة نسمات ينفذ منها المواطن العربي نحو الحرية والأحلام.

لا يبدو العالم بعدُ قادراً على تجاوز هذه المعضلة التاريخية بضرورة خلق توازن بين ما يسمى "حفظ الأمن" واحترام كرامة الإنسان.

لقد تصدعت ثقة الإنسان اليوم بالمنتج الحضاري الذي ما انفك يعتقد أنه لا يقبل الإهدار من كرامة الإنسان وآدميته -مهما كانت الضغوط ومهما كانت المبررات- لأن الإيمان بالقيم والالتزام بها هو الدافع الحقيقي لوجود الأمم وتطورها، والأمة اليقظة لا تقبل المساومة أو التخلي عن قيمها حتى لو كانت في حالة صراع أو مواجهة مع ما يسميه الغرب اليوم "الإرهاب" ترسيخاً لعبارة فيخته الشهيرة "ينبغي للعدل أن يتحقق حتى لو خرب العالم".

إن العالم اليوم يعيش مراحل بالغة في الوهن على مستوى الحقوق بعدما أضحى هذا المفهوم -الذي كان فاتحة القرن الحديث- مهزوماً لصالح تحقيق الغايات الأمنية والاستخباراتية والذي مهد ويمهد لسن قوانين وإجراءات تجسد انقلاباً قيمياً لم يكن بالحسبان حدوثه في القرن الحديث.

______________
* كاتب سعودي

المصدر : الجزيرة