يعتبر انتهاك حقوق الطفل من القضايا التي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي منذ ابتلاء فلسطين والعالم العربي به قبل أكثر من ستة عقود، غير أن القضية نادرا ما استحوذت على الاهتمام الإعلامي اللازم لأسباب تتعلق بقوة وسيطرة اللوبي الصهيوني بالغرب.

 عاطف دغلس-قلقيلية
علي سويدان، طفل فلسطيني ذاق مرارة السجن ولما يذق بعد طعم الحياة. ابن 14 ربيعا، لم تشفع له طفولته في تجنب وحشية جنود الاحتلال، ضربوه بأحذيتهم الثقيلة وشتموه بألسنتهم السليطة، وسولت لهم نفوسهم النزقة توجيه الكلمات النابية لطفل أعزل.

لم يستطع "علي" التعبير عن معاناته بأكثر من كلمة "ألم" التي أراد لها أن تصف حاله خلال فترة الاعتقال قبل أن يُفرج عنه منذ أيام قليلة، ويكشف عن وجود عشرات الأطفال الفلسطينيين من بلدته عزون بمدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية يعانون مما لا يجب لطفل أن يعانيه.

وفي تفاصيل الحكاية، روى علي كيف غدا بلحظات قليلة في قبضة مجموعة من الجنود والمستوطنين الذين اقتحموا أرض عائلته وانهالوا عليه بالضرب المبرح قبل أن يلقوا به في سيارة عسكرية معصوب العينين. ومن الممكن أن يتخيل أي إنسان مدى الرعب الذي عاشه هذا الطفل وهو يحاط بمجموعة من الرجال الهائجين الذين استمروا في ضربه وإهانته حتى بعد تعصيب عينيه.

وأوضح علي أن الممارسات العنيفة ضده بدأت منذ أسره واستمرت خلال فترة التوقيف والتحقيق معه، وكذلك أثناء التنقل بين معسكرات الاحتلال ومستوطناته، قبل أن يستقر به المقام بسجن مجدو حيث يُعتقل عدد كبير من الأطفال.

ومن المفارقات التي تبرز في ممارسات سلطات الاحتلال هو استخدامها لنفس الأساليب غير السوية التي استخدمها النازيون، والذين تتهمهم إسرائيل بقتل اليهود وارتكاب أبشع الأعمال البربرية في تاريخ الإنسان.

video
ويتذكر علي بعض صور رحلته القاسية في سجون الاحتلال الإسرائيلي وكيف أجبره المحققون بمستوطنة أرائيل شمال الضفة على توقيع ورقة بالعبرية لم يفهم محتواها، وعندما رفض، هددوه بإطلاق النار عليه واعتقال أبيه ثم شتموه بأبشع العبارات. يقول علي بألم "أطفأ (المحقق) السيجارة بوجهي".

وفي خضم العذاب والبعد عن حضن الأسرة التي يحتاجها أي طفل في عمر علي لينمو ويترعرع في أجواء صحية وسوية، كان عليه المثول أمام المحكمة ثلاثين مرة قبل أن يُحكم بالسجن 16 شهرا وغرامة بأكثر من 1500 دولار أميركي.

وعلاوة على الضرر الجسدي والمعنوي لما أصاب علي، فقد وضعه الاحتلال أمام تجربة سلبية مبكرة قد تؤثر على طريقة رؤيته للأمور وهو يكبر ولا يزال أمامه طريق طويل حتى يكون شخصيته وآرائه الخاصة. أخذ الطفل علي أول درس عن العدالة المزيفة في محاكم الاحتلال، الأمر الذي قد يهز إيمانه بالعدالة والقضاء بشكل عام ويسبب له ترسبات قد تؤدي إلى تبعات سلبية على شخصيته وطريقة تفكيره.

وبصوته البرئ، وصف علي المحاكمة الصورية التي أجريت له قائلا إنه آمن لوهلة بعدل القاضي وأنه سيأخذ له بحقه من العسكر والمستوطنين المتطرفين، إلا أنه فوجئ بالقاضي يسأله عن اسمه لا غير، وصدر الحكم.  

ورغم الإفراج والعودة لكنف أسرته، فإن هواجس الاعتقال ما زالت تطارد علي. تقول جدته أم عبد الله إن علي ينام بجانبها فهو كأي طفل يحس بالطمأنينة عندما ينام إلى جانب جده أو جدته خاصة بعد المرور بوقت عصيب، ولكن هيهات أن ينعم طفل بنوم هانئ إن رأى ما رآه علي.

تقول أم عبد الله إن علي يستيقظ ليلا وهواجس وكوابيس تطارده، وجعلته يعيش في حالة من الخوف والهلع. ولم تعد هذه مجرد كوابيس ولم تقتصر على علي، بل أصبحت "فوبيا الاعتقال" واقعا يعيشه أطفال عزون بشكل عام، بعد أن صُنفت بلدتهم كثالث منطقة بعد القدس والخليل بعدد الأطفال المعتقلين.

video

الطفل وليد أبو لبدة (13 عاما) مثال آخر على ما يعانيه أطفال عزون، فقد اُعتقل منذ أسبوع للمرة الثانية خلال عام واحد، بعد أن فجر الجنود باب منزله واقتحموه بعيد منتصف الليل.

يقول والد وليد إن ما ضاعف ألم مشاهدة ابنه وهو مكبل ويتعرض لضرب وشتم عنيفين من قبل جنود الاحتلال، هو عدم معرفته بمكان اعتقال ابنه، كما لم يسمح له بزيارته بحجة "الرفض الأمني".

ولفت الأب المكلوم إلى أن الاعتقال السابق لوليد تسبب له بمعاناة وعواقب نفسية، وولد لديه حالة من "الميل للعنف" أدت لفصله من مدرسته.

وطبقا لحسن شبيطة مسؤول ملف اعتداءات الاحتلال بالبلدة، فقد سجلت البلدة 170 حالة اعتقال خلال العام الماضي، 60% منهم أطفال.

وأكد شبيطة أن ملف الاتهام وظروف الاعتقال وحتى المحاكمة تكون جاهزة ومعدة سلفا لأطفال عزون، وأنها تدور حول رشق مركبات المستوطنين بالحجارة.

وتثير قضية اعتقال الأطفال من قبل سلطات الاحتلال قلق العديد من المؤسسات الحقوقية والمدنية، وتقول أمينة الطويل من مركز أسرى فلسطين للدراسات إن سجون الاحتلال تحتوي على أكثر من ثلاثمائة طفل يعيشون معاناة لا حد لها، وإن ظروف اعتقالهم تتشابه من حيث القمع والتنكيل وحتى بالأحكام التي تزيد أحيانا على عشرين عاما.

وأضافت أمينة الطويل للجزيرة نت أن المشاكل النفسية والصحية أخطر ما يواجه الأطفال بعد تحررهم، وأن استهدافهم يأتي لتشتيتهم وإفراغهم من حالة "الوعي الوطني بقضيتهم" وأحيانا يسعى لإسقاطهم في براثن العمالة ووحلها.

المصدر : الجزيرة