وديع عواودة-حيفا

طالما شهدت إسرائيل محاولات كبت الأصوات المعارضة للحروب خلال وقوعها، لكنها بلغت أوجا جديدا في العدوان الأخير على غزة بمنع جامعة تل أبيب محاضريها وطلابها من توجيه الانتقادات وإسماع آراء مخالفة له.

وشكا محاضرون بالجامعات الإسرائيلية -خاصة جامعة تل أبيب- من تعرضهم خلال تلك الفترة لضغوط للتساوق مع التيار المركزي في إسرائيل المؤيد للعدوان، وأخذوا على المجلس الأعلى للتعليم العالي أنه لم ينتصر لهم أو يدافع عن حقهم بإبداء رأيهم حول الحرب.

واختار كثير منهم الصمت، فيما بادر قلائل لتوجيه انتقادات للحرب أثناءها، وأبدى آخرون استياءهم بعد انتهائها وتكشف نتائجها المأساوية لغزة والمخيبة لإسرائيل كما يؤكدون للجزيرة نت.

يشار إلى أن رؤساء جامعة تل أبيب عمموا مذكرة خلال الحرب على غزة أكدوا فيها بشكل غير مسبوق دعمهم لها تحت عنوان "جامعة تل أبيب تعانق قوات الأمن وتستنكر ردود فعل سلبية في الشبكة".

وجامعة تل أبيب التي تجاهلت قتل النساء والأطفال بغزة قالت في المذكرة إنها تدين بشدة تصريحات "متطرفة تمس قوات الأمن ولا مكان لها في التخاطب الجماهيري"، وأقدمت على التهديد بأنها ستطبق القانون "إذا انتهك طلاب ومحاضرون حظر الإدلاء بتصريحات ضد الحرب".

ولذا تجرأ عدد قليل من المحاضرين الإسرائيليين على مناهضة الحرب علانية. ويقول البروفيسور يشاي روزين تسفي من كلية الآداب بجامعة تل أبيب إن زملاء كثيرين شعروا بأنها عملت على إخراسهم عنوة خلال الحرب، ويتهم الإعلام الإسرائيلي بالتواطؤ مع المؤسسة الحاكمة والمشاركة في تعميم رواية كاذبة وتغييب الأصوات المعارضة لها. 

ريفكا فالداحي: تكميم الأفواه يدلل على حالة إحباط وفقدان الثقة بالنفس (الجزيرة)

تعطيل الفكر
روزين تسفي -الذي يحاضر في موضوع الثقافة العبرية والفلسفة- يدعو زملاءه للتعاون من أجل "تطهير الجو العام بإسرائيل من الأحاديث الأمنية والقومجية اللا نهائية لأنها تعطل التفكير".

ويبدي اشمئزازه وقلقه البالغين من أن موت الجنود لم يعد يخلق ضغطا جماهيريا وإعلاميا على الحكومة لوقف العمليات العسكرية بخلاف الماضي، وبات اليوم يبلور الشعور بالوحدة و"يعزز ثقافة القطيع"، كما يبدي قلقه من تحول العنف ضد اليساريين بإسرائيل لأمر عادي، مشيرا إلى اضطرار بعض الصحفيين المناهضين للحرب للتجول تحت الحراسة.

ويوجه رئيس مدرسة الفلسفة بجامعة تل أبيب البروفيسور مناحم لوربرويم انتقادات لصمت الرأي العام في إسرائيل على قادة الجيش الإسرائيلي الذين اعتمدوا الخطاب الديني لتشجيع الجنود على أداء مهامهم العسكرية غير الإنسانية داخل القطاع.

وحمل بشدة على قائد وحدة "جفعاتي" عوفر فينتر الذي أمر بتدمير حي كامل برفح في محاولة لقتل الجندي هدار غولدن مع آسريه، وتساءل "لماذا نسكت عن توجيه الأسئلة القاسية: كيف يمكن أن تفاخر وحدة عسكرية بقتل مدنيين بينهم أطفال ورضع ونساء بدعوى أنهم شركاء بالعمل المقاوم؟ ومن سمح لها بذلك؟".

وتتساءل زميلته البروفيسورة ريفكا فالداحي -المحاضرة بتاريخ العلوم- "إذا لم يبادر الأكاديميون والمثقفون لتحليل الصراع الدامي فمن يوضح للإسرائيليين عدم جدوى العنف ويطرح لهم صورة كاملة لوضع ومستقبل إسرائيل ويضع أمامهم مرآة لرؤية أنفسهم  بعيون ناقدة؟".

واجب أخلاقي
وتدعو المثقفين والأكاديميين للتمرد على محاولة السلطة إخراسهم، وتشدد على الواجب الإنساني والأخلاقي بالتصريح والتحدث في "كل الأوقات". وتقول إن تكميم الأفواه يدلل على حالة إحباط وفقدان الثقة بالنفس في ظل حرب فشلت في تحقيق أهدافها.

يشار إلى أن وزارة الصحة الإسرائيلية منعت الأطباء والممرضين في المستشفيات أيضا من الإدلاء بتصريحات مناهضة للحرب.

المصدر : الجزيرة