محمد عمران-غزة

على مقربة من ركام منزله المدمر ببني سهيلا شرق خان يونس جنوب القطاع قضى الفلسطيني عبد الله أبو سمرة (65 عاما) أول ليلتين له -بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ- بعيدا عن عائلاته الأربع التي تشتتت بين مركز إيواء وكالة الغوث ومنازل بعض الأقارب.

وتسيطر الحسرة والألم على ملامح أو سمرة لمصير أبنائه وأحفاده، وقد ضاقت بهم الدنيا بعد تدمير منزلهم في 14 الشهر الجاري، في وقت يحرم فيه من الاجتماع مع زوجاته الأربع وأبنائه الذين يزيدون على ثلاثين فردا، إضافة إلى عدد مماثل من أحفاده.

ورغم أن معاناة الكثير من الغزيين انتهت مع وضع الحرب أوزارها واستئنافهم حياتهم الاعتيادية بشكل سريع، لكن صاحب البيت المدمر يتحدث عن حكاية معاناة قاسية من التشريد والنزوح المستمر، دون أفق لنهاية قريبة.

ويؤكد أبو سمرة للجزيرة نت أن مشاهدة منزله المدمر بشكل دائم لا يفت في عضده، بقدر ما يتألم لنظرات ومشاعر الحزن لدى أبنائه الصغار وهم يبحثون عن بقايا ملابسهم وألعابهم بين ركام الطوابق الأربعة بعد إصرار بعضهم على اللعب بجانب المنزل قبل عودتهم إلى مركز الإيواء نهاية النهار.
تدمير منزل عبد الله أبو سمرة شتت ستين فردا من أبنائه وأحفاده (الجزيرة)

تقصير حكومي
ويعيب على الجهات الفلسطينية غياب خطة واضحة للتعامل مع آلاف الحالات المشابهة لأوضاعه لدى أصحاب البيوت المهدمة خلال العدوان الإسرائيلي رغم استلامه مبلغ ثلاثة آلاف دولار لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الآدمية مع صعوبة الواقع، وفق تقديره.

وتختصر قصة أبو سمرة جزءا من فصول حكاية معاناة آلاف العائلات من أصحاب البيوت المدمرة بقطاع غزة، حيث بدؤوا مرحلة جديدة من النزوح والتشريد لا تقل صعوبة عن سابقتها خلال العدوان.

صعوبة يعتبرها الشاب محمود أبو دقة (35 عاما) أكثر مرارة وألما، فخلال الحرب كان الجميع في حالة نزوح وخوف من القصف الإسرائيلي، أما بعد وقف إطلاق النار فالأغلبية عادوا لمنازلهم التي لم تتضرر، والبقية حائرون، هل يستمرون في المكوث بمراكز الإيواء، أم يعودون للعيش ولو على حطام منازلهم؟!

فضل محمود الخيار الثاني، فعاد مع زوجته وطفلتيه في الليلة الأولى لوقف إطلاق النار، ليس حبا في تذكر لحظات الفرار من الموت، أو البكاء على الأطلال -كما يقول- لكن مشهد الناس يغادرون فرحا مراكز الإيواء، والأطفال يتساءلون بنظراتهم وحركاتهم متى سنعود؟ أكثر إيلاما من كل أيام النزوح والتشريد.

عمر يعتبر أن صمود أصحاب المنازل المدمر تحدٍ للاحتلال (الجزيرة)

مشاهد النكبة
ويضيف للجزيرة نت -وهو يتنقل بصعوبة بين ركام منزله- أن قساوة الحياة في خيمة صغيرة أمام المنازل المدمرة أهون بكثير وأقل مرارة من الاستمرار بالعيش في مراكز الإيواء التي تذكر ساكنيها بمشاهد النكبة، وتبقيهم في أجواء الحرب والتشريد.

ويستشعر شقيقه عمر (29 عاما) ما يصفها بثقل الأمانة التي ألقيت على كاهل أصحاب البيوت المدمرة بشأن تماسكهم وقدرتهم على إفشال مخططات الاحتلال الخبيثة المتعلقة بتحميل المقاومة المسؤولية عن تدمير البيوت.

ويقول للجزيرة نت إن الموازنة صعبة للغاية بين حالة الدمار والتشريد وبين الإصرار على دعم المقاومة والصمود في وجه الاحتلال، معتبرا أنه ليس من الغريب على الفلسطينيين الأكثر تضررا من العدوان أن يعكسوا رسالة تحدٍ للاحتلال ودعم للمقاومة.

ولا يخفي عمر حجم المشاق والمصاعب التي بدأ يواجهها منذ عودة عائلته للعيش على مقربة من منزله المدمر، فالمبلغ الذي قدّم له في شكل مساعدة أولية لا يفي بالغرض المطلوب مع عدم توافر شقق للإيجار إلا بأسعار مرتفعة.

وبينما يدعو إلى سرعة البدء بإعادة الإعمار للتخفيف من وطأة الواقع الصعب وتقليص مدة المعاناة، يشير إلى أنه مضطر للبدء من جديد وتوفير أبسط مقومات الحياة لعائلته جراء فقدانه الملابس والأثاث وكل احتياجات ومستلزمات حياته تحت الركام.

المصدر : الجزيرة