خميس بن بريك-تونس

بقيت قضية شهداء وجرحى الثورة التونسية تراوح مكانها دون حلّ يعيد للضحايا وذويهم حقهم ضمن محاكمة عادلة، فيما جرت الأمور على ما يرام بالنسبة لرموز النظام السابق الذين أطلق سراحهم بعد انتهاء محكوميتهم عقب أحكام "مخففة" أصدرها القضاء العسكري.

ففي أبريل/نيسان الماضي صُدم أهالي الشهداء والجرحى بأحكام اعتبروها مخففة بحق قيادات أمنية وسياسية سابقة وقع اتهامها بالتورّط في قتل وجرح المتظاهرين الذي انتفضوا قبل أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام للإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وتراوحت تلك الأحكام بين السجن لمدة ثلاث سنوات وعدم سماع الدعوى، وهو ما سمح بالإفراج عن قيادات سابقة عقب انتهاء فترة محكوميتها، علما بأن بعضها أعلنت ترشحها للانتخابات القادمة باعتبار أن الدستور الجديد لا يقصيها من الترشح.

وأصبح القضاء العسكري أكثر عرضة للانتقادات، حتى أن البعض اتهمه بإبرام صفقة مع نقابات أمنية للتساهل مع قياداتها المتورطة في الانتهاكات، مما أحبط مشاعر عائلات الشهداء الذين شنوا اعتصامات وإضرابات جوع احتجاجا على عدم إنصافهم.

وتعالت أصوات الكثيرين في تونس لإحالة القضايا إلى القضاء المدني بغاية إعادة النظر فيها بدعوى أن القضاء العسكري لا يوفر محاكمة عادلة، وأن الدستور الجديد ينص على تكليف القضاء المدني بالقضايا المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قوات الأمن والجيش.

 أحمد الرحموني: إحالة ملف الشهداء إلى المحكمة العسكرية كان خطا فادحا (الجزيرة)

خطأ فادح
ويقول رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني للجزيرة نت إن إحالة قضايا شهداء الثورة على القضاء العسكري "كان خطأ فادحا منذ البداية"، معتبرا أن "تاريخ المحكمة العسكرية وطبيعتها ومخالفتها لقواعد المحاكمة العادلة لا تؤهلها للنظر في هذه القضايا".

ويضيف أنه كان من المفروض أن يحاسب رموز النظام السابق بعد الثورة أمام محاكم مدنية تستجيب للمعايير الدولية، وهو ما لم يحصل، واعتبر أن ما حصل هو محاكمة عسكريين وأمنيين متهمين بانتهاكات جسيمة أمام قضاء عسكري "لا يضمن شروط المحاكمة العادلة".

وتتفق مع هذا الرأي رئيسة لجنة شهداء وجرحى الثورة في المجلس التأسيسي (البرلمان) يمينة الزغلامي التي قالت للجزيرة نت إن المؤسسة القضائية لم تقع فيها إصلاحات، مشيرة إلى أنه "لم تكن هناك نية لإنصاف عائلات الشهداء والجرحى".

لكنها عبرت عن أملها في أن يتحمّل القضاء مسؤوليته في الكشف عن قتلة ضحايا الثورة، مؤكدة أنّ اطلاعها على ملفات الكثير من الضحايا الذين قتلوا برصاصات في الرأس أو في القلب ولّد عندها يقينا ثابتا بوجود القناصة الذين يحيط بهم لغز غامض.

وقالت الزغلامي إن المجلس التأسيسي أصدر مؤخرا قانونا يعفي المشاركين في أحداث الثورة (مثل حرق مراكز أمن) من المؤاخذة الجزائية، وأنه صادق على قانون يقضي بإحالة قضايا الشهداء والجرحى على دوائر مختصة بالقضاء المدني لإعادة النظر فيها ضمن مسار العدالة الانتقالية.

لكنّ أحمد الرحموني أكد أن قرار إحداث هذه الدوائر المختصة لم تصاحبه إجراءات ملموسة لهيكلتها وتفعيلها، وهو ما سيتطلب الكثير من الوقت لإحداثها، مشيرا إلى أنه كان بإمكان المجلس التعجيل بإحالة القضايا على المحاكم العادية.

عمر الصفراوي: وزارة العدل لم تمهد الطريق أما تحقيق العدالة الانتقالية (الجزيرة)

انتقادات
من جهته، يرى رئيس التنسيقية المستقلة للعدالة الانتقالية عمر الصفراوي أن تعطل مسار العدالة الانتقالية كان سببا في عدم إنصاف الشهداء والجرحى، موجها انتقادات حادة لوزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية السابقة.

ويقول إن "هذه الوزارة لم تعبّد الطريق أمام العدالة الانتقالية"، مؤكدا أنها أخفقت في جبر أضرار ذوي الشهداء والجرحى وفشلت في تحديد قائمة نهائية بأسمائهم وفي سن قانون للعدالة الانتقالية دستوري يستجيب للمعايير الدولية.

كما وجه انتقادات إلى تركيبة هيئة الحقيقة والكرامة التي أحدثت في إطار قانون العدالة الانتقالية بهدف الكشف عن الانتهاكات السابقة التي سجلت من فترة حكم الرئيس الراحل بورقيبة والرئيس المخلوع بن علي وحتى عام 2013.

وقال الصفراوي إن رئيس المحكمة الإدارية رفض جميع الطعونات والاحترازات المقدمة إليه من قبل عديد المراقبين بشأن استقلالية هؤلاء الأعضاء "الذين عينوا بالولاءات"، مؤكدا أن ذلك يشرّع لحصول تجاوزات قانونية.

ومن المتوقع أن تبدأ هيئة الحقيقة نشاطها مطلع العام المقبل، علما أنه لم يتمَّ حتى الآن سد الشغور في مكان عضوها المستقيل خميس الشماري. ولم تتلفظ الهيئة بكلمة بشأن ملف شهداء وجرحى الثورة الذي يأمل المراقبون أن يكون من أولويات عملها.

المصدر : الجزيرة