أيمن الجرجاوي-غزة

ما إن أُعلنت تهدئة مؤقتة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل بقطاع غزة حتى سارع المصور الصحفي الفلسطيني محمد محيسن لتوثيق الدمار الهائل الذي لحق بالمنطقة الحدودية شرق حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ليتفاجأ بأن منزله الجميل أصبح كومة من الحجارة.

ولم يتخيل المصور محيسن أنه لن يكون قادرًا على معرفة مكان منزله المدمر إلا بعد تدقيق شديد، فالمنازل في تلك المنطقة لم تعد منازل، وكذلك الطرقات والأراضي الزراعية، لكن ما جعل قلبه يعتصر ألمًا هو تلف الجوائز والدروع وشهادات التقدير التي حصل عليها على مدار ثمانية أعوام من عمله الصحفي.

إحدى جوائز محيسن التي تلفت نتيجة
قصف منزله (الجزيرة)
فقْد التاريخ
ويروي محيسن للجزيرة نت اللحظات الصعبة التي نجا فيها وزوجته وابنته من الصواريخ الإسرائيلية التي انهمرت على المنطقة الحدودية التي يسكن فيها، لكنه لم يتمكن من إخراج جوائزه وبعض معداته تحت شدة القصف.

عشر دقائق قضاها المصور الذي يعمل بوكالة "صفا" الفلسطينية على أنقاض منزله كانت كفيلة بنبش ذكريات الماضي الجميلة؛ فجائزة المرتبة الثانية في مسابقة الشارقة للصورة كانت على الحائط الغربي، وعلى الحائط الشرقي كانت جائزة المركز الثالث في مسابقة مؤسسة فلسطين للثقافة ببيروت، وبجانب التلفاز وضع قبل سنوات شهادة المركز الثالث في مسابقة "آية وصورة" بالسعودية.

وفي الوقت الذي كان ينبش فيه المصور الفلسطيني بين الحجارة محاولا العثور على ما تبقى من شهادات تقدير، تلقى اتصالا يُبشره بفوزه بالمركز الأول بمسابقة "عبد الرزاق بدران" المقامة بالأردن، ويقول إنه في تلك اللحظات حمل كاميرته التي سقطت منه أرضًا من هول المشهد، و"كأن الروح عادت إليّ من جديد".

إصرار
المصور الفلسطيني -الذي نظّم العديد من المعارض بدول عربية وأوروبية تتحدث عن حصار غزة والحروب التي شنت عليها- يؤكد أن فوزه بالجائزة بعد تدمير منزله يعتبر انتصارًا للإرادة الفلسطينية، ودفعة معنوية للانطلاق نحو أداء رسالته السامية وإيصالها للعالم.

ويوافق المصور الصحفي الفلسطيني علاء شمالي زميله محيسن بأن تدمير منزله الواقع شرق حي الشجاعية شرق مدينة غزة خلال العدوان زاده إصرارًا على توثيق جرائم الاحتلال -التي أصبح هو جزءا منها- وإيصال رسالة شعبه إلى العالم عبر الصورة.

المصور علاء شمالي يرفع علم فلسطين على بيته المدمر (الجزيرة)

صوّرنا معاناتنا
ومن الصعب للغاية على النفس توثيق المعاناة الشخصية والعائلية أثناء العمل الصحفي، فالمصورون بدلا من أن يرصدوا معاناة الفلسطينيين أصبحوا يوثقون معاناتهم أنفسهم إلى جانب المواطنين، كما يقول شمالي الذي يعمل مصورًا في صحيفة فلسطين المحلية.

ويبدو شمالي متيقنًا بأن "أي مصيبة لا بد أن وراءها ابتسامة ونصرا" رغم ما يعانيه وأسرته من عذابات جراء تدمير بيتهم بعد مجزرة الشجاعية بيومين (22 يوليو/تموز)، وما صاحب ذلك من صعوبة بالغة في إيجاد منزل للإيجار وتوفير مستلزمات العائلة.

وكما فقد محيسن مقتنياته الغالية، فإن شمالي "تحسّر" على كاميراته وجهاز حاسوبه المحمول الموجودين ببيته، وفقد جوائز حصدها خلال مسيرته، أبرزها جائزة المركز الثاني لأفضل صورة رياضية من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية، ودرع تكريمي عن أفضل مصور صحفي رياضي في قطاع غزة، إضافة إلى صور تذكارية لرحلات عمل في قطر والسعودية.

لا حماية 
ويعتب شمالي كثيرًا على غياب دور مؤسسات حماية الصحفيين إزاء ما تعرضوا له خلال العدوان على القطاع أو حتى قبله، ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي قتل العشرات من زملائه خلال السنوات الماضية ولم تتم محاكمة أحد من القتلة، ويضيف "تلك المؤسسات مسميات فقط إذا ما تعلق الأمر بنا".

ويؤكد أن أيًا من مؤسسات حماية الصحفيين لم تتواصل معه أو حتى تطمئن عليه بعد استهداف بيته، ويضيف "إذا لم تتواصل معنا في أحلك الظروف فمتى ستتواصل معنا؟"

ووثّقت إحصائية صدرت عن المكتب الإعلامي الحكومي الفلسطيني تدمير الجيش الإسرائيلي 23 منزلا لصحفيين خلال العدوان، وقتل 15 صحفيًا على الأقل وإصابة 18 آخرين، واستهداف 17 مقرًا إعلاميًا، واختراق بث والتشويش على 15 موقعًا إلكترونيًا وإذاعة وتلفزيونا.

المصدر : الجزيرة