خميس بن بريك-تونس

أبدت أوساط سياسية بتونس مخاوفها من عودة التضييقات على الحريات بعدما قررت الحكومة اتخاذ تدابير صارمة مثل إغلاق بعض المساجد ووسائل إعلام قالت إنها تحرّض على العنف والكراهية، وهي خطوة باركتها بعض الأطراف.

وكانت خلية الأزمة -التي شكلتها الحكومة بقيادة مهدي جمعة عقب مقتل 15 جنديا بجبل الشعانبي (جنوب شرق البلاد) قبل أسبوع على يد مسلحين يوصفون بالتشدد- قد أعلنت عن هذه القرارات في إطار ما تسميه الحرب على "الإرهاب".

وهذه الإجراءات تتمثل بإغلاق مساجد خاضعة لسيطرة "المتشددين" وهو إجراء غير مسبوق في تاريخ البلاد، إضافة إلى إغلاق محطة "نور" الإذاعية وقناة "الإنسان" (غير المرخص لهما) ووقف نشاط جمعيات خيرية تقول الحكومة إنها متورطة بتمويل "الإرهاب".

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، فقد أطلقت الحكومة تهديدا بمحاكمة كل من ينال من معنويات المؤسستين الأمنية والعسكرية ويتجاوز "الخطوط الحمراء".
 الحبيب خضر: يتعين أن تحترم هذه القرارات أحكام الدستور (الجزيرة)

استغلال القرار
ويرى النائب عن حركة النهضة الحبيب خضر أن من حق الحكومة أن تتخذ إجراءات لفرض القانون، لكنه يقول للجزيرة نت إنه يتعين أن تحترم هذه القرارات أحكام الدستور الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مطلع هذا العام وينص على ترسانة من الحريات.

وبالنسبة إليه، فإنّ قرار إغلاق أبواب مساجد، ولو كانت خارجة عن سيطرة الدولة، فيه خرق للدستور والحريات المتعلقة بممارسة الشعائر، وهو قرار قد يمثل في حد ذاته وقودا يستغله "التكفيريون" لتأجيج حاضنة الإرهاب وتوظيفه على أنه "محاربة للإسلام".

وبشأن إغلاق وسائل إعلام، يقول إن التجاوزات التي حصلت قد لا تستدعي الإغلاق، لافتا لوجود تجاوزات كثيرة تحصل بالكثير من وسائل الإعلام مثل الخطابات القائمة على نشر الكراهية سواء ضد حزبه أو ضد مسار الثورة في البلاد، وفق تعبيره.

من جانبه، يشير الناطق باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي إلى أن الحكومة اتخذت بعد بطء شديد قرارات عملية لمواجهة المخاطر التي تهدد أمن واستقرار البلاد، لكنه يرى أن بعض القرارات جاء مرتجلا مثل إغلاق المساجد وحجب بعض وسائل الإعلام.

ويقول للجزيرة نت "كان على الحكومة أن تبسط سيادتها على المساجد عبر تمكين المصلين من ارتيادها في هدوء وسكينة وأن تتصدى لكل من يحاول السيطرة عليها بالقانون والقضاء". وشدد على أن مواجهة الإرهاب لا تكون على حساب حرية ممارسة المعتقد.

الجيلاني الهمامي أشاد بقرار الحكومة وقال إن من حقها مقاضاة المعتدين (الجزيرة)

خرق القانون
وبخصوص إغلاق وسائل إعلام، يرى الشابي أن الحكومة لم تحترم الإجراءات القانونية التي منحت هيئة الإعلام السمعي والبصري (هيئة دستورية) صلاحيات تعديل المشهد الإعلامي، معربا عن رفضه أن يقع المسّ بحرية التعبير ومقايضتها بالأمن.

وفي نفس السياق، أعرب مركز تونس لحرية الصحافة عن استغرابه من قرار إغلاق وسائل الإعلام غير المرخص لها، مؤكدا أنه قرار غير دستوري باعتباره لم يصدر عن هيئة الإعلام السمعي والبصري وأنّ فيه اعتداء صارخا على حرية الصحافة.

كما عبر رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني عن خشيته من أن تفرض القرارات الحكومية "التي لم تحدد لا بوقت ولا بشروط لتطبيقها قيودا على عدد من الحريات مثل حرية التنقل وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعبير".

في مقابل ذلك رحب القيادي بالجبهة الشعبية اليسارية الجيلاني الهمامي بتلك القرارات "ولو أنها جاءت متأخرة وبقيت منقوصة" من إجراءات أخرى كتحييد المساجد عن الدعاية الحزبية ومراجعة التعيينات في المناصب الإدارية من أجل ضمان انتخابات نزيهة، وفق ما يقول.

ويضيف للجزيرة نت أنّ إغلاق مساجد تخضع لسيطرة الجماعات المتشددة "خطوة في الاتجاه الصحيح" مؤكدا أن بعض المساجد تحولت إلى بؤر لبث الفتنة والتحريض على الإرهاب "وهو أمر لا يمكن السكوت عنه لأنه يقوض دعائم الأمن".

كما أشاد الهمامي بقرار إغلاق بعض وسائل الإعلام والجمعيات "المشبوهة" التي قال إنها تغذي الإرهاب وتموّله، مضيفا كذلك أن من حق الحكومة مقاضاة من يعتدي على المؤسستين الأمنية والعسكرية. لكنه رفض مصادرة حرية التعبير في نقد أو إبداء الرأي في أداء هذين الجهازين.

المصدر : الجزيرة