ليس أحمد الذي لم يبلغ سنواته العشر سوى طفل سوري آخر ممن لم تعد المدرسة حلما يجرؤ أن يعيشه، كما أن الكرة لم تعد لعبة يستطيع ممارستها، منذ أصبح "رجلا" يعمل ليعيل عائلته كي لا يضطر للتسول.

 علي سعد-بيروت

تختلط الكآبة بكثير من البراءة في عيني أحمد بينما يحمل عدّة صغيرة يجول بها في شارع الحمرا بالعاصمة اللبنانية بيروت، يسأل عن رزقه الذي -ومن دون سابق إنذار- أصبح في هذه العلبة التي يمارس من خلالها مهنة مسح الأحذية.

ليس أحمد الذي لم يبلغ سنواته العشر سوى طفل سوري آخر ممن لم تعد المدرسة حلما يجرؤ أن يعيشه، كما أن الكرة لم تعد لعبة يستطيع ممارستها، منذ أصبح "رجلا" يعمل ليعيل عائلته كي لا تضطر للتسول في زاوية أخرى من شارع الحمرا، كما يقول للجزيرة نت.

قبل نحو ثلاث سنوات، كان أحمد يحمل على كتفيه حقيبة مدرسية ويتوجه ليتابع صفوفه في إحدى مدارس درعا، واليوم يحمل علبة على كتفه ويلاحق الرجال ليمسح أحذيتهم. وحين تسأله: هل يريد العودة إلى المدرسة؟ يومئ برأسه بطريقة غامضة وكأن المدرسة ترف لأطفال من عمر معين لم يعد ينتمي إليه.

أطفال سوريون تائهون بلا عنوان
في شوارع بيروت
(الجزيرة نت)

تسول وأعمال صعبة
وتشير إحصاءات دولية بينها تقرير لمنظمة العمل الدولية أن قرابة خمسين ألف طفل سوري يعملون بلبنان في ظروف صعبة ولساعات طويلة يتعرضون خلالها لشتى أنواع المخاطر، وذلك بغية إعانة عائلاتهم.

ويتركز عمل هؤلاء الأطفال في الشوارع والمتاجر على حساب التحاقهم بالدراسة، حيث تظهر الدراسات أن 30% فقط من الأطفال اللاجئين في لبنان يتابعون تحصيلهم العلمي.

هكذا تبين الدراسات أن أحمد ليس وحده الذي تخلى عن طفولته، فالأمثلة في شوارع بيروت كثيرة لا تخفى على أحد وليست بحاجة إلى دراسات لاستشرافها.. متسولون وماسحو أحذية وبائعو علكة، هكذا هم أطفال التهجير القسري السوري اليوم.. من أنعم الله عليه منهم بسقف يغنيه عن العمل في عمر اللعب، يستطيع أن ينظر بكثير من الشفقة إلى هؤلاء.

على بعد أقل من خمسين مترا من المكان الذي يتجمع فيه ماسحو الأحذية، تجلس دلع قرب مجموعة من الفتيات من العائلة نفسها التي تركت حي الحجر الأسود جنوب دمشق قبل نحو سنتين. هناك على قارعة الطريق كونت دلع صداقة خاصة مع هذا الجزء من الرصيف، حيث اضطرت لتتسول وهي لم تبلغ الثالثة بعد.

وعلى مقربة من دلع، فتاة لم تبلغ العاشرة تبيع الورود أيضا.. "خود مني وردة الله يخليلك حبيبتك"، بهذه الكلمات تحاول اصطياد أي شاب يسير بجانب فتاة، آملة في إحراجه ومعوّلة على علاقة خاصة بين الفتيات والورود تفتقدها هي.

أطفال سوريون في شارع الحمرا
يعملون كماسحي أحذية
(الجزيرة نت)

عجز وقلة مساعدات
ووسط هذا المشهد الإنساني المؤلم تقف الدولة اللبنانية والمؤسسات الدولية عاجزة عن تقديم شيء، فلا المدارس اللبنانية قادرة على استيعاب هؤلاء الأطفال، ولا المساعدات التي تتلقاها المنظمات الإنسانية تكفي لاحتواء اللجوء السوري بكافة أشكاله.

ويوضح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس للجزيرة نت أن الحكومة اللبنانية عاجزة كليا في هذا الإطار بسبب ضعف المساعدات التي تتلقاها، موضحا أن المساعدات تصل إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، لكنها لم تتخط 53% من المبلغ المطلوب عام 2013، ولم تتجاوز 23% خلال العام الجاري.

ويضيف درباس أن قلة المساعدات إضافة إلى أن نحو 40% من اللاجئين المسجلين لا تنطبق عليهم صفة نازح، مما يؤدي إلى أن تكون المساعدات غير كافية، وبالتالي سيدفع هذا بالأطفال إلى الشوارع للتسول أو العمل في قطاعات مؤذية لطفولتهم.

وبالإضافة إلى قلة المساعدات، يقول درباس إن عدم قدرة المدارس الرسمية اللبنانية على استيعاب أكثر من مائة ألف تلميذ لاجئ من أصل أربعمائة ألف، ترك قرابة ثلاثمائة ألف طفل سوري من دون مدرسة ولا تعليم، وهذا يضعهم في مهب الاستغلال.

ويشير إلى أن هناك شبه استحالة لتطبيق القوانين بحذافيرها في هذه الحالة، كما أن استيعاب هذا العدد الكبير يحتاج إلى إمكانيات ومساعدات هائلة غير متوافرة.

المصدر : الجزيرة