محمد غلام-مقديشو


لم تشفع له سحنته السمراء -كأغلب الصوماليين- ولا حصانته البرلمانية ولا منصبه التنفيذي كنائب لوزير الأوقاف والشؤون الدينية، من الشعور بأنه مظلوم كباقي قبيلته "تومال"، ومعناها الحدادون.

يتحدث البرلماني يوسف حيلي جمعالة بمرارة عن مظاهر الاضطهاد والظلم التي تعاني منها القبيلة. ويقول إن المجتمع ينظر إليهم بازدراء ويحرمهم من الانصهار فيه عبر التزاوج، "وعيبهم الوحيد أنهم يمتهنون هذه الحرفة".

وعلى وقع طقطقة حديد تصم الآذان، ووسط روائح دخان يسد الآفاق، جلس حسن محمود يندب حظه العاثر، وقد راكم خبرة زادت على ثلاثين عاما في مهنة "لا تسمن ولا تغني من جوع". ويقول إنه غير مقتنع بها ولكنه ليس لديه خيار آخر.

شعور بالتحقير
لكنه يشدد على أنه لن يورث هذه المهنة لأولاده، لأن من يمارسونها يعانون من ازدراء المجتمع لهم، قائلا "وأنا نفسي أشعر بالتحقير".

يوسف حيلي جمعالة تحدث بمرارة عن مظاهر الاضطهاد والظلم التي تعاني منها القبيلة (الجزيرة)
ولم تتوفر للجزيرة إحصائية عن عدد أفراد القبيلة التي يجمع بينها النسب والمهنة وتنتشر بجميع أنحاء الصومال، وفق جمعالة.

ويقول نور إبراهيم محمد رئيس قسم الحدادين بسوق كاران بشمال مقديشو إن خمسين من أبناء القبيلة يعملون بالسوق، ويتوزعون على صنع السكاكين والمناجل والفؤوس وبعض الأواني، وتنتشر بينهم عدد من الأمراض المرتبطة بالصدر.

وتقع السوق بمنطقة مضطربة أمنيا وينتشر فيها المسلحون وتكثر بها عمليات النشل والسطو والخطف أحيانا، وقد رافقنا لزيارتها النائب البرلماني بحارسيه وثمانية جنود صوماليين فضلا عن حارسين من مكتب الجزيرة بمقديشو.

ويصر شيخ قبيلة تومال حسن عبد الله كارية -الذي قابلناه بالسوق ولديه شهادة الثانوية العامة- على أن مشكلة القبائل المهمشة تكمن في الجهل والفقر، ويشاطره في ذلك الرأي البرلماني الذي يتابع دراسته في السنة الأولى من الجامعة.

وينشط الرجلان في إقناع الآباء بإرسال أولادهم للمدارس، وقد نجحا في جمع خمسمائة طفل من أبناء الحدادين وهم يتابعون الآن تعليمهم في جمعية يديرانها بجهود ذاتية وبمساعدة بعض الخيرين ويتطلعان للمزيد من الدعم خاصة العربي.

ولا يقتصر التهميش بالصومال على تومال وحدها، بل تنال قبائل مادبان وبون ويحر ويبر وموسى دري نصيبا منه. فهي جميعها مضطهدة ويحظر العرف الاجتماعي الزواج منها. ويمثلها في البرلمان -ككتلة واحدة- سبعة نواب وفي الحكومة وزير ونائب وزير.

والتهميش في الصومال العربي بحكم الجغرافيا والإرادة السياسية لا يقف عند تلك الحدود القبلية الضيقة، بل يمتد ليشمل من هم من أصول عربية.

وتشكو قبائل بنادر ذات الأصول العربية من تهميش سياسي وثقافي. ويقول مشايخها -الذين التقيناهم في مكتب لهم بمنطقة حمروين وسط مقديشو حيث يتركز وجودهم- إنهم يحرمون من المنح الدراسية وإقامة منشآت صحية بمناطقهم. 

تمييز وطمس
ويقول صوفي مودي علي -وهو شيخ مشايخ القبائل التي "يزيد عددها على مليون ونصف المليون نسمة"- إن الحكومة تمارس التمييز ضدهم وتحقّرهم وتعمل على طمس تاريخهم.

مودي على يرى أن الحكومة تمارس التمييز ضدهم وتحقّرهم وتعمل على طمس تاريخهم (الجزيرة)

ويشكو رئيس رابطة شباب قبائل بنادر عمر شريف محمد من أن أبناءهم لا يوظفون بالدولة، خاصة بأجهزتها الأمنية والعسكرية. ويقول إن من يعين عادة ما يكون بسبب صلات خؤولة أو مصاهرة بإحدى القبائل الأخرى المهمة كقبيلة "هوية".

ويحن أغلب مشايخ القبائل العربية -الذين تحدثوا لنا عبر مترجم صومالي- لأيام الرئيس الراحل زياد بري حين كانت حقوقهم مصونة، وكانوا يشاركون بالحكومات كأية قبيلة أخرى.

وتعود بهم الذاكرة لحقبة كانت فيها إذاعة مقديشو تبث ساعتين بالعربية ومثلها التلفزيون. أما الآن فيقتصر بث الإذاعة على نصف ساعة فقط، في حين يحرمهم التلفزيون من سماع لغة الأجداد.

لكن الباحث ورئيس مركز الشاهد للبحوث والدراسات في الصومال محمد الأمين محمد الهادي ينفي ذلك، ويقول إن بري كان يحارب العربية، وهو من حوّل أحرف الكتابة للغة اللاتينية.

وحسب محمد الهادي، فإن اهتمام بري بالعربية كان "دعائيا" بدافع الحصول على تمويلات من الدول العربية.

ويقسّم الدكتور مختار حاجي علي -الذي يعيش بكندا- قبائل الصومال إلى ثلاثة أصناف: صنف له كامل الحقوق كالقبائل المسلحة، وثان يتمتع بحقوق منقوصة كالقبائل "المسالمة" مثل بنادر، وثالث مضطهد مثل "التومال" وأضرابهم.

المصدر : الجزيرة