مع تضاعف القضايا الكبيرة في مصر التي تبدو جلساتها عبثية وأحكامها سريعة ومبالغا فيها، أصبح القضاء المصري في مرمى نيران المنظمات الحقوقية التي تتهمه بأنه صار أداة في يد السلطات لقمع أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي.

فقد أثار الحكم أمس الاثنين بإعدام قرابة 700 شخص من أنصار مرسي -بعد جلسة محاكمة واحدة- عاصفة احتجاجات دولية جديدة بعد شهر من حكم صادم مماثل.

وكل يوم تقريبا، تعقد جلسات وتؤجل في محاكمات مثيرة للجدل، ولم يعد المدافعون عن حقوق الإنسان والمحامون يعرفون ما يمكن عمله مع وجود قضاء يدين دون تمييز عشرات بل مئات الأشخاص، من دون أن تفحص ملفاتهم في بعض الأحيان.

وفي نموذج صارخ على ذلك، صدرت أمس في المنيا أحكام بالإعدام على أشخاص فارقوا الحياة، وآخرين غادروا البلاد قبل وقوع الجرائم المنسوبة للمدانين، وهو ما عدته الأمم المتحدة "قضايا جماعية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر".

وقالت مديرة إدارة الشرق الأوسط في منظمة هيومان رايتس ووتش سارة ليه ويستون إنه "إذا كان لدى أحد شك في أن مصر تسعى إلى القضاء على أي معارضة سياسية فإن هذا الشك قد تبدد بسبب هذا القضاء الهزلي".

video

إدانات قاسية
ومنذ الإطاحة بمرسي في 3 يوليو/تموز 2013 قتل أكثر من 1400 متظاهر من أنصار مرسي، وأوقف 15 ألفا على الأقل من مؤيديه. وبدأ القضاء في إصدار أحكام إدانة قاسية كذلك ضد حركات احتجاجية أخرى يسارية وعلمانية.

وصدرت مئات الأحكام بالسجن المؤبد أو بالإعدام وأحكام قاسية بالسجن على العشرات. وكانت أحكام بالسجن 11 عاما صدرت ضد فتيات صغيرات بعضهن قاصرات، وكلها أحكام ألغتها بعد ذلك أو خففتها محاكم الدرجة الثانية.

وتخيم الفوضى على المحاكمات، ففي واحدة من جلسات محاكمة مرسي على سبيل المثال صاح صحفيون مصريون أثناء انعقاد الجلسة "الإعدام.. الإعدام"، بينما يتبادل محامو المتهمين ومحامو المدعين بالحق المدني -في أحيان أخرى التنابذ بالألفاظ في فوضى تامة. ومنذ ذلك الحين وبناء على طلب محامي مرسي، يجلس أفراد شرطة في عدة صفوف في القاعة للفصل بين الصحفيين والمحامين.

الرئيس المعزول مرسي -الذي افتتح أولى جلسات محاكمته بخطاب حاد أدان فيه "الانقلاب"- أصبح الآن يَمثل مع المتهمين الآخرين معه في ثلاث قضايا داخل قفص زجاجي عازل للصوت.

وقال واحد من هؤلاء المتهمين أخيرا عبر ميكروفون يتحكم القاضي في تشغيله وإيقافه، "نشعر كأننا نحاكم غيابيا".

ويوجد كذلك قصور في التحقيقات. ففي قضية تحظى بمتابعة إعلامية واسعة هي قضية صحفيي قناة الجزيرة المتهمين بالتواطؤ مع الإسلاميين، قدمت النيابة سلسلة من "الأدلة" مثيرة للدهشة: صور عائلية، تسجيلات لا يستطيع أحد سماعها، بينما يؤكد القاضي وحده أنه "يسمعها جيدا جدا".

حقوقيون: التيار القضائي المؤيد للانقلاب بدأ يمارس قمعا ضد مناصري الإخوان (رويترز)

انزعاج رسمي
وعلى المستوى الرسمي، تؤكد الحكومة المصرية أن "القضاء مستقل"، ولكن في جلسات خاصة يقر مسؤولون كبار بأنهم منزعجون من مبالغات القضاة في الأحكام الصادرة، بينما تنتقد صحف مصرية "تباكي" منظمات حقوق الإنسان والعواصم الغربية.

ويقول الخبراء إن القضاء -الذي لم يكن فعلا مستقلا منذ ستينيات القرن الماضي- يشهد خلافات داخلية، إذ حاول الإخوان المسلمون عزل القضاة الذين كانوا يتواءمون مع نظام مبارك، واليوم صار هؤلاء يحاولون الانتقام.

ويقول رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد إنه "لم تكن هناك إرادة سياسية من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك أو الأنظمة التي جاءت بعده لتحقيق استقلال القضاء، ويوجد داخل القضاء التيارُ الداعم لمبارك، وهو تيار كبير اعتبر أن 30 يونيو/حزيران نجاح له، وبدأ يمارس قمعا ضد تيار الاستقلال وضد الكتلة المؤيدة للإخوان".

ويضيف عيد "يتم صبغ القمع بصبغة قضائية عبر أحكام مسيسة تستند إلى مواقف سياسية وليس إلى القانون، وبالتالي أصبح أغلب القضاء وكأنه جناح من أجنحة السلطة الحالية وليس سلطة قضائية مستقلة".

وترى منظمة العفو الدولية أن "القضاء المصري أصبح متعسفا ومنحازا (..)، وهناك خطر من أن يتحول ببساطة إلى درع في الآلة القمعية للسلطات".

المصدر : الفرنسية