عبد الجليل البخاري-الرباط

هل فشلت ثورات ما يوصف بالربيع العربي في بلوغ مبتغى الحرية والديمقراطية، أم أن الأمر يتعلق بمرحلة انتقالية لم تترسخ فيها بعد مفاهيم الحقوق والحريات الأساسية؟

حول هذا التساؤل دارت جلسات مؤتمر علمي في الرباط نظمه المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية، بمشاركة أكاديميين من جامعة هارفارد وإدنبره وكذلك جامعات تركية وعربية.

ورغم تنوع مداخلات ومحاور المؤتمر الذي امتد على مدى ثلاثة أيام، فإن أغلبية الأكاديميين شددوا على ضرورة التعاطي مع المرحلة الدقيقة التي يجتازها العالم العربي بمزيد من الحذر إزاء المقاربات الشعبوية.

وهذا ما ركزت عليه توصيات المؤتمرين التي شددت على ضرورة تجنب التعامل مع المرحلة القادمة في العالم العربي بسلوك يتسم بالتكيف الاضطراري ومهادنة المقاربات النمطية الشعبوية الجاهزة بهدف الاقتصار على احتواء الوضع الناشئ، وعدم الغوص عميقا في عملية التغيير.

وطالبت أيضا بتدارس خيارات الإصلاح والتغيير المجتمعي المستمد من خصوصيات المجتمع العربي واستلهام التجارب الانتقالية الناجحة في المجتمعات البشرية عبر التاريخ.

الهرموزي:
الحقوق الطبيعية لا تزال تراوح مكانها وتعرف تفاوتا من حيث التفاعل بين الخطاب الحقوقي والسياسي والثقافي

وبغض النظر عن الجدالات الفكرية والفلسفية وحتى السياسية التي أثارتها جلسات النقاش، فإن معظم مداخلات المشاركين ارتبطت بمواقف تتعلق بمفهوم الحريات والحقوق سواء في جوانبها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

حقوق طبيعية
وهذا الأمر عبر عنه رئيس المركز نوح الهرموزي بالقول إن "الحقوق الطبيعية لا تزال تراوح مكانها وتعرف تفاوتا من حيث التفاعل بين الخطاب الحقوقي والسياسي والثقافي".

ورأى الهرموزي أن العالم العربي بات يحتاج -أكثر من أي وقت مضى- إلى رؤية واضحة للمرحلة المقبلة. 

وفي نفس الاتجاه حذرت الحقوقية المغربية أمينة بوعياش في مداخلة لها من أن المنطقة العربية تفوّت على نفسها نهضة مجتمعية أساسها الاجتهاد في وضع نموذج ديمقراطي يغني التجارب الفضلى في العالم.

أما مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات إدريس لكريني فاعتبر في مداخلة أن تحديات ورهانات المرحلة تفترض إشراك الجميع في البناء السياسي، بعيدا عن ثقافة الإقصاء والأحادية التي شكلت سببا رئيسيا في اندلاع الحراك بالمنطقة العربية.

ونبهت العديد من المداخلات -سواء من أكاديميين عرب أو أجانب- إلى أن الحرية تشكل ركيزة أساسية للتقدم الاقتصادي، مستندة في ذلك إلى ما قالت إنها تقارير دولية ودراسات علمية تشير إلى أن الدول الأكثر ازدهارا هي الدول الأكثر حرية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

وفي الجانب الاقتصادي خلصت التوصيات إلى ضرورة "التأسيس لمنظومات ليبرالية ديمقراطية واعتبار الملكية الفردية حقا مقدسا، وأهمية الحياد لتحقيق الديناميكية الاقتصادية وتراجع تدخل الدولة للحد من انتشار المحسوبية والزبونية وثقافة المحاباة".

المرأة والأقليات
ومن الناحية الاجتماعية اعتبرت التوصيات أن "الحرية ليست قضية كمالية نخبوية تهم المثقفين، بل هي قضية لها تأثيرها على كل المسارات المجتمعية".

المؤتمرون طالبوا بضرورة الاهتمام بحقوق المرأة والأقليات بعد صعود فاعلين جدد إلى السلطة بعد الحراك العربي

وطالب المؤتمرون بضرورة الاهتمام بحقوق المرأة والأقليات بعد صعود فاعلين جدد إلى السلطة بعد الحراك العربي. 

واعتبروا أن صعود التيارات الإسلامية إلى الحكم في بعض دول المنطقة طبيعي، طالما أنه مبني على التنافس والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وفي تعليق للجزيرة نت، قال الهرموزي إن المنطقة سجلت حاليا تراجعات في عدد من الحقوق الطبيعية من بينها حق الحياة والحق في الحرية، وطفت إلى السطح بعض المقاربات السطحية والجاهزة، مضيفا أن هناك استعدادا لسحق حرية الأفراد وإقصاء المخالفين في الرأي، بل وتصفيتهم في بعض الحالات.

وتابع أن العديد من حقوق الإنسان "يصبح مصدرا من مصادر المساومة"، خاصة عندما تتناسل بدون عقلنة وتكون عائقا أمام الازدهار، بل قد تشكل ابتزازا شعبويا يساهم في تكريس الاتكالية ويحد من المبادرة الحرة والفردية الخلاقة التي تشكل أساس الازدهار وخلق الثروة.

المصدر : الجزيرة