قالت منظمة حقوقية تتخذ من نيويورك مقرا لها، إن لبنان لم يفعل ما يكفي لتقديم المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب الأهلية فيه إلى العدالة، وأن صفة الإفلات من العقاب مقابل إحلال الاستقرار نتج عنها سلام هش.

الحرب الأهلية اللبنانية استمرت 15 سنة وخلفت 150 ألف قتيل و17 ألف مفقود (غيتي-أرشيف)

انتقد المركز الدولي للعدالة الانتقائية انتشار "ثقافة الإفلات من العقاب" في لبنان رغم مرور 24 عاما على انتهاء الحرب الأهلية التي سادت خلالها فوضى عارمة في كل مناحي الحياة.

وقالت المنظمة الدولية غير الحكومية في تقرير لها صدر الثلاثاء إن انتهاكات حقوق الإنسان مستمرة في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990)، وحثت اللبنانيين على الاعتراف بالمسؤولية الجماعية.

وجاء في تقرير المنظمة التي تتخذ من نيويورك مقرا لها "لم تبذل الحكومات اللبنانية المتعاقبة سوى مساعٍ غير متكاملة وغير فاعلة لإخضاع الأفراد والجماعات والدول النافذة للمحاسبة على الانتهاكات التي ارتكبت على الأرض اللبنانية، بما في ذلك الجرائم ضد المدنيين. وتظل تبعات هذا الإخفاق ترخي بظلالها على حياة الضحايا وعلى المجتمع اللبناني".

وأضاف التقرير الذي حمل عنوان "عدم التعامل مع الماضي، أي تكلفة على لبنان؟"، أن الاتفاق الذي وضع حدا للحرب وعرف باتفاق الطائف فشل في "ضمان إجراء تحقيقات وتحريات رسمية كجزء من التسوية في مرحلة ما بعد الحرب، وكرّست الاتفاقية الانقسامات السياسية والاجتماعية التي نجمت عن الحرب، وجعلت عناصر الأطراف المتحاربة محصنين من الملاحقة القضائية، وتركت الفصائل المختلفة تتصارع حول الروايات المتعارضة للتاريخ اللبناني".

ما زال آلاف الضحايا ينتظرون الحصول على إجابات وافية ويتطلّعون إلى تحقيق العدالة بشأن الجرائم التي عانوا منها أثناء الحرب

تكريس النسيان
وأشار التقرير إلى أن قوانين العفو التي صدرت بعد الحرب "حالت دون أن يقوم لبنان بتفحص الانتهاكات التي جرت أثناء الحرب وتوثيقها، مما ساهم في تكريس النسيان الذي ترعاه الدولة بشأن الماضي. ونتيجة لذلك، ما زال آلاف الضحايا ينتظرون الحصول على إجابات وافية ويتطلعون إلى تحقيق العدالة بشأن الجرائم التي عانوا منها أثناء الحرب".

وبموجب قانون العفو العام الصادر عام 1991، لم يجر أي تحقيق في أي من الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب اللبنانية التي تخللتها مجازر وجرائم قتل وثأر وشريط طويل من الاغتيالات، وتسببت بمقتل نحو 150 ألف شخص وفقدان أكثر من 17 ألفا.

وينقل التقرير عن رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية ديفيد تولبرت أنه "لا يجب أن يكون الإفلات من العقاب الثمنَ الذي يدفعه المجتمع من أجل تحقيق الاستقرار. فهذا النوع من المساومة السياسية يؤدي إلى سلام هش (...)  لا سيما عندما تنذر النزاعات الإقليمية بالامتداد عبر الحدود ومفاقمة التوترات القائمة".

كما نقل عن مديرة مكتب المركز الدولي للعدالة الانتقالية في لبنان كارمن أبو جودة قولها "من أجل الانتقال بفاعلية من حالة الحرب إلى حالة السلم، يحتاج البلد إلى مقاربة شاملة لإقامة العدل وتحقيق الإصلاحات، إنها أفضل طريقة لإعادة إبرام عقد اجتماعي ولاستعادة الناس ثقتَهم بالدولة ومؤسّساتها".

ويعاني لبنان ذو التركيبة السياسية والطائفية الهشة من أزمات سياسية وأمنية متلاحقة منذ انتهاء الحرب اللبنانية، لا سيما بعد اندلاع الثورة في سوريا المجاورة، والمواجهات التي تلتها بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضين له.

المصدر : الفرنسية