لم تتوقف معاناة الإريتريين المختطفين من شرق السودان عند مأساة الاختطاف وإنما امتدت لتشمل اغتصابهم وصعقهم بالكهرباء وإحراقهم بالماء الساخن والمطاط المذاب والسجائر، وضربهم بقضبان معدنية في مأساة اتهمت كل من مصر والسودان بالتواطؤ فيها.

أحد الضحايا الإريتريين يروي لهيومن رايتس ووتش ما كابده من تعذيب (موقع رايتس واتش)
قتل وضرب وحرق وصعق كهربي، وعمليات اغتصاب، وصنوف أخرى من العذاب البدني والنفسي، ذلك ما يواجهه في شرق السودان وسيناء المصرية إريتريون فروا من القبضة الأمنية والقمع ببلادهم ليقعوا في قبضة عصابات اتجار بالبشر امتهنت الخطف من أجل المال.

ويتهم أحدث تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش حمل عنوان "تمنيت لو أرقد وأموت: الاتجار بالإريتريين وتعذيبهم بالسودان ومصر" السلطات الأمنية لهذين البلدين بالتواطؤ فيها بدل اعتقال المنتهكين وملاحقتهم.
 
ويقول جيري سمسون، الباحث في المنظمة ومؤلف التقرير المكون من 79 صفحة إن المسؤولين المصريين ينكرون "الانتهاك المروع للاجئين الذي يتم تحت أبصارهم في سيناء". ويدعو مصر والسودان إلى "وضع حد لتعذيب الإريتريين وابتزازهم على أراضيهما، وملاحقة التجار والمسؤولين الأمنيين المتواطئين". ويشدد على أنه "حان الأوان كي تتوقف مصر والسودان عن دفن رأسيهما في الرمال، وأن تتخذا إجراءات جادة لإنهاء تلك الانتهاكات المروعة".
 
ويشير الضحايا -في مقابلات مع هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى- إلى أنهم تعرضوا للانتهاك طوال أسابيع أو حتى شهور، إما بالقرب من بلدة كسلا شرقي السودان، أو قرب بلدة العريش شمال شرق سيناء، قرب الحدود المصرية مع إسرائيل، وذلك للحصول على فدى من أقاربهم بعد سماع صرخاتهم عبر هواتفهم الخلوية.
يدا إريتري يقول إن تجار البشر بسيناء شوهوهما لإجبار أقاربه على دفع فديته (رايتس ووتش) 

صنوف التعذيب
وروى الشهود أنهم رأوا أو تعرضوا إلى الانتهاكات على يد التجار، بما في ذلك اغتصاب سيدات ورجال، وكذا الصعق بالكهرباء وإحراق الأعضاء التناسلية للضحايا وأجزاء أخرى من أجسامهم بالحديد المحمى والماء الساخن والبلاستيك والمطاط المذاب والسجائر، وضربهم بقضبان معدنية وبالعصي، وتعليق الضحايا من الأسقف، وتهديدهم بالموت، وحرمانهم من النوم لفترات طويلة. وقال 17 من الضحايا إنهم شاهدوا آخرين يلقون حتفهم جراء التعذيب.

ويلفت التقرير لمأساة الإريتريين وفرارهم من القمع والفاقة بوطنهم منذ العام 2004 إلى معسكرات حدودية نائية في شرق السودان وإثيوبيا، ويقول إنه حتى 2010 كان عشرات الآلاف منهم قد دفعوا المال للمهربين كي يعبروا بهم سيناء إلى إسرائيل. لكن المنظمة تقول إن معظم الضحايا منذ منتصف 2011 قد أخذوا من السودان إلى مصر رغم إرادتهم.

تواطؤ
وذكر ضحايا أن الشرطة السودانية في بلدة كسلا اعترضت طريقهم قرب الحدود واحتجزتهم تعسفيا وأسلمتهم إلى التجار وأحيانا عند مراكز للشرطة. وروى آخرون أنهم شاهدوا كيفية تواطؤ ضباط أمنيين مصريين مع التجار عند نقاط التفتيش، من الحدود مع السودان إلى حدود إسرائيل.

ووفق التقرير فإن إخفاق مصر والسودان في التحقيق وملاحقة التجار الذين يرتكبون انتهاكات قاسية بحق ضحاياهم، والمسؤولين الأمنيين المتواطئين، يمثل خرقا لالتزاماتهما بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

إريترية خضعت بمصر لجراحة زرع جلد لمعالجة عدوى بالكاحل بفعل السلاسل 
(رايتس ووتش)

مأساة أخرى
ولا تقف مأساة الضحايا عند هذا الحد، إذ حين يطلقون بعد دفع عائلاتهم الفدى تعترض شرطة الحدود المصرية طريقهم في أحيان كثيرة وتحيلهم إلى النيابة العسكرية، ثم تحتجزهم بالشهور في ظروف لا إنسانية ومهينة في مراكز الشرطة بسيناء وتوجه لهم تهما بمخالفات تتعلق بالهجرة غير المشروعة، وتحرمهم من الوصول للعناية الطبية التي يحتاجونها.

ووفق التقرير فإن السلطات المصرية تحرمهم من حقوقهم بموجب قانون مكافحة الاتجار بالبشر المصري لسنة 2010، الذي ينص على ضرورة تلقيهم للمساعدة والحماية والحصانة من الملاحقة القضائية.

وتبقى السلطات المصرية، حسب التقرير، الضحايا الإريتريين رهن الاعتقال حتى يجمعوا ما يكفي من المال لشراء تذاكر طيران إلى إثيوبيا، "وهناك يعود كثيرون منهم من حيث بدؤوا".

المصدر : الجزيرة