الحكومة الموريتانية تقول إنها ستحارب آثار الرق المتمثلة في الفقر (رويترز)

أحمد الأمين-نواكشوط

صادقت الحكومة الموريتانية نهاية الأسبوع الماضي على خريطة طريق لمحاربة الاسترقاق والقضاء على مخلفاته في أفق عام 2016، يأتي ذلك في وقت لا يزال ملف العبودية موضوع جدل بين الحكومة وبعض المنظمات الحقوقية.

خريطة الطريق التي أعدت بالتنسيق مع الأمم المتحدة، تضمنت 29 نقطة تتمحور حول أبعاد ثلاثة: اقتصادي اجتماعي، وحقوقي قانوني، وتعليمي معرفي.

ففي المجال الاقتصادي والاجتماعي تنص الخريطة على تركيز الاستثمار في المناطق التي يعاني سكانها من الفقر وتدني مستوى الدخل بسبب تأثرهم تاريخيا بالاسترقاق، وذلك من خلال توفير البنى التحتية والخدمية، وتمويل المشاريع المدرة للدخل وخلق نشاطات اقتصادية في محيط الفقراء من أبناء هذه الشريحة.

يعقوب ولد القاسم: الخريطة تشكل مقاربة جدية للقضاء على مخلفات الرق (الجزيرة)
تغريم المسترقين
وفي المجال القانوني والحقوقي تتضمن توصيات الخريطة مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بتجريم الاستعباد وتضمينها تغريم من تثبت ممارسته للاستعباد وإلزامه بالتعويض للضحية، فضلا عن تكوين القضاة في مجال التعاطي مع قضايا الرق، وتقديم المؤازرة القانونية للمستعبدين من خلال توكيل محامين للدفاع عنهم.

أما في مجال التعليم فتتضمن الخريطة جملة من النقاط تتعلق بتوفير التعليم وإلزاميته في المناطق التي يوجد بها الأرقاء السابقون والتي تعرف محليا باسم "آدوابه" وتوفير الحضانات المدرسية فيها لتتولى إعاشة أطفالهم وتتحمل نفقات تعليمهم، إضافة إلى احتمال تقديم مساعدات مادية لآباء الأطفال مقابل ترك أبنائهم يواصلون تعليمهم.

ورغم تحفظ بعض الأطراف على هذه الخريطة، فإن كثيرين يرون أنها قد تساهم إيجابيا في القضاء على الرق ومخلفاته في موريتانيا.

ويعتبر يعقوب ولد القاسم مستشار المدير العام لوكالة التضامن المكلفة بمعالجة آثار الاسترقاق (هيئة حكومية) أن الخريطة تشكل مقاربة جدية ومتكاملة للقضاء على مخلفات الرق، تقوم على ما يمكن اعتباره تمييزا إيجابيا لصالح المتأثرين بآثار الرق.

وقال في حديث للجزيرة نت إن "هذه الخريطة تضمنت العديد من النقاط الإيجابية واعتمدت مقاربة متكاملة تدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية والتشريعية، منطلقة في ذلك من تجربة ووعي بأن الظاهرة لا يمكن القضاء عليها وتجاوز مخلفاتها ما لم يتمتع المستهدفون بالاستقلال الاقتصادي والوعي المعرفي".

وأضاف ولد القاسم أنه "حين يمتلك هؤلاء الإمكانيات الاقتصادية والقدرات المعرفية يكون بإمكانهم الاستفادة من الضمانات القانونية التي يوفرها التشريع لحمياتهم، ومن هنا كان حرص الخريطة على إعطاء الأولوية للبعدين الاقتصادي والتعليمي".

وأضاف أنه "في إطار تنفيذ الخريطة سيتم بناء عشرات المدارس، وتمويل العديد من المشاريع الخصوصية المدرة للدخل، وتركيز الاستثمارات في المناطق التي يوجد فيها المتأثرون بمخلفات الرق".
السعد ولد لوليد: الخريطة تضمنت العديد من نقاط الضعف (الجزيرة)

نقاط ضعف
الناشط الحقوقي المهتم بقضايا الرق السعد ولد لوليد يرى أن الخريطة تضمنت العديد من نقاط الضعف التي تشكك في مدى جديتها وإمكانية قضائها على ظاهرة الاسترقاق ومخلفاتها.

واعتبر السعد في حديث للجزيرة نت أن "عدم وجود آليات لتطبيق التوصيات التي تضمنتها الخريطة يشكل نقطة ضعف كبيرة، لأن التجربة أكدت أن وجود النص وحده لا يكفي، بل لا بد من وجود آلية لتطبيق مضامينه، فالشرع والدستور والقوانين تجرم العبودية في هذا البلد لكنها لا تزال موجودة لأن هذه النصوص لم تطبق".

وأوضح أن ولد لوليد أن "الخريطة ليست وليدة اليوم، بل هي خريطة تقدمت بها مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2009، ومنذ ذلك التاريخ تسعى لاستجابة الحكومة الموريتانية لهذه التوصيات"، مضيفا أنه "إذا كان مجرد المصادقة على هذه التوصيات أخذ هذا الوقت الطويل فكم سيستغرق تطبيقها وتنفيذها".

وأشار ولد لوليد إلى أن عدم إشراك المستهدفين والمتأثرين بالاسترقاق في تصور وإعداد هذه الخريطة أفقدها بعدها الوطني، وغيّب الكثير من الجوانب الأساسية بالنسبة لهؤلاء الذين لم يعودوا بحاجة إلى من يفكر عنهم، خاصة إذا كان طرفا خارجيا لأن المجتمع الدولي لو كان جادا في القضاء على الظاهرة لقدم العون للمنظمات الحقوقية وموّل مشاريع اقتصادية يستفيد منها المتأثرون بالرق في مجال التعليم ومحو الأمية ومكافحة الفقر والمشاريع المدرة للدخل "بدل تقديم القروض للمشاريع الوهمية".

المصدر : الجزيرة