أطفال النقب يحرمون من البيئة الآمنة ولذلك تكثر الوفيات والإصابات بينهم (الجزيرة-نت)

وديع عواودة-حيفا

كانت الطفلة هناء تلهو داخل حديقة عامة وفي ذروة سعادتها حينما سقطت من أرجوحة مهترئة وأصيبت رأسها بإصابات لم تمهلها سوى يومين حتى فارقت الحياة.

وقالت والدتها مريم الصانع من مدينة رهط في منطقة النقب إن طفلتها هناء (ست سنوات) كعادتها كانت تلهو مع ابنة عمها بحديقة الحي حينما سقطت من أرجوحة وارتطمت بعمود معدني قبل أن تسقط أرضا في حالة خطيرة.

الأم التي يغالبها الدمع وهي تستعيد مأساتها تقول إنه لم يخطر على بالها أن تخرج هناء لتلهو ساعة فتنقل في حالة حرجة إلى المستشفى قبل أن ترحل.

تمييز عنصري
ولا توجه الأم أصابع الاتهام للبلدية بقدر ما تشير إلى التمييز العنصري الذي تنتهجه وزارة الداخلية الإسرائيلية في مجال ميزانيات السلطات المحلية العربية.

وتضيف أن المرافق العامة بكافة أحياء رهط التي يسكنها نحو خمسين ألف نسمة "مهملة جدا بعكس المدن الإسرائيلية المجاورة التي تبدو كأنها من عالم آخر".

وقصة هناء واحدة من عشرات المآسي المشابهة داخل أراضي 48 طبقا لما تؤكده دراسة لجامعة حيفا تفيد بأن 115 طفلا بإسرائيل يموتون سنويا جراء أحداث مختلفة وأن نصف هؤلاء من العرب.

كما تؤكد الدراسة أن الأطفال العرب تعرضوا في العقدين الأخيرين للموت وللإصابة والمرض أكثر من نظرائهم اليهود نتيجة عدم توفير بيئة آمنة، وتوعية كافية، وانتهاك حقوقهم في الحياة الكريمة والصحية.

الدراسة تكشف أن عشرة أطفال من العرب -من جيل صفر حتى 17 عاما- من بين مائة ألف طفل يموتون مقابل ثلاثة أطفال يهود.

أطفال النقب يتشبثون بأرضهم ويحلمون بالعيش فوق أديمها بكرامة (الجزيرة نت)

أرقام
وكلما ينخفض عمر الطفل تتسع الهوة بين الأطفال العرب وبين نظرائهم اليهود. وعلى سبيل المثال، يلقى 16 طفلا عربيا حتفهم من بين كل مائة ألف طفل في الفئة العمرية 1-4 مقابل أربعة أطفال يهود في نفس الفئة العمرية.

وهكذا أيضا نسبة الإصابات، حيث إن 42% من الأطفال الذين أصيبوا في حوادث ومكثوا في المستشفيات في السنوات الخمس الأخيرة هم من العرب.

وتفيد الدراسة أن إصابات الأطفال العرب أكثر خطورة من إصابات نظرائهم اليهود نتيجة انكشافهم لبيئة أكثر خطورة وحصولهم على رعاية صحية وقائية متدنية خاصة بالنقب حيث تحرم 45 قرية غير معترف بها من العيادات والدورات المائية والكهرباء.

أسباب الوفاة
ومن ضمن الحوادث الشائعة لدى فلسطينيي الداخل الذين يشكلون 17% من سكان إسرائيل، السقوط من المرتفعات نتيجة نقص تدابير السلامة أو الإقامة بمنازل لم يستكمل بناؤها بعد، إضافة إلى تناول الأدوية والمواد السامة والدهس وغيرها.

وتستنتج الدراسة من مجمل المعطيات أن هناك عدة عوامل خلف هذه الظاهرة، أهمها البيئة غير الآمنة التي ينشأ ويلهو فيها الأطفال العرب، والحالة الاقتصادية-الاجتماعية المتدنية والمستوى المتدني للرعاية والرقابة من قبل الأهالي.

وتوضح معدة الدراسة الباحثة أورنا بار أون أبيل للجزيرة نت أن العدد الكبير للأطفال في الأسرة الواحدة يحول دون حيازتهم على الرعاية والعناية الكافيتين من قبل الأهالي، إضافة إلى انتهاك حقهم في المساواة المدنية من قبل سلطات الدولة. وتوجه أصابع الاتهام للسلطات المحلية العربية أيضا لأنها لا تشدد على اعتماد معايير صارمة لضمان بناء آمن، ولا توفر كمية كافية من الملاهي والحدائق العامة الصالحة.

 نسيم عاصي: أسباب الظاهرة عديدة وفي مقدمتها التمييز العنصري (الجزيرة نت)

مسؤولية ذاتية
لكن نسيم عاصي الناشط والباحث المختص بصحة المجتمع وسلامة الأطفال يحمل المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة مسؤولية كبيرة عن مأساة الأطفال العرب.

وردا على سؤال الجزيرة نت يشير عاصي إلى عدم توفير برامج توعوية بالعربية وميزانيات لبناء الملاهي والحدائق والمؤسسات الثقافية للأطفال العرب خاصة في منطقة النقب حيث ترتفع جدا ظاهرة موت الأطفال.

وفي الوقت نفسه، يدعو عاصي إلى عدم التهرب من محاسبة الذات والنظر للأسباب الذاتية، منوها إلى حقوق الأطفال على ذويهم بحمايتهم ولعدم وجود سلامة الأطفال على أجندة المؤسسات العربية وضعف الوعي بحيوية تدابير الأمان لدى الأهالي.

كما نوه لخطورة استكانة الأهالي لفكرة القضاء والقدر، ويقول إن على الآباء أن "يعقلوا أولا قبل التوكل على الله" .

ويحمل مدير المؤسسة العربية لحقوق الإنسان محمد زيدان السلطات الإسرائيلية قسطا كبيرا من المسؤولية عن الظاهرة. ويلفت إلى وجود سياسات تمييز إسرائيلية في بناء المؤسسات والبنى التحتية في البلدات العربية، وانتهاك حقوق العرب الأساسية المكفولة في المواثيق الدولية.

المصدر : الجزيرة