عاطف دغلس-معبر الطيبة

لم تقف معاناة الحاج إبراهيم بسيسي (أبو مشهور) وزوجته خديجة عند تدمير الاحتلال الإسرائيلي منزلهما واعتقال جل أبنائهما، وبات ذلك لا يقارن بمدى تجاوزات الاحتلال وصلفه في التعامل معهما خلال زيارة نجليهما أحمد وزيد في سجون الاحتلال.

وليس وحدهما من يعانقان الموت في كل زيارة، فالكثيرون يودعون عائلاتهم خشية اللاعودة، ويحمدون الله إذا قُضي الأمر بسلام، بعد أن حوّل الاحتلال تلك الزيارات إلى وسيلة ترويع للأسرى وذويهم أكثر منها فرصة لإطفاء نار الشوق والغياب.

حين التقينا الحاج أبو مشهور (81 عاما) وزوجته خديجة (74 عاما) على معبر الطيبة جنوب مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، كانا يسابقان الزمن بخطوات متسارعة للوصول قبل غيرهما للمعبر، "فعلينا الدخول في ساعة محددة وإلا عدنا أدراجنا"، يقول أبو مشهور.

وبصوت حاد ينادي زوجته داعيا إياها للإسراع قليلا قبل أن تغلق المعاطة (بوابة التفتيش على المعبر)، غير أن أم مشهور لا حول لها ولا قوة، فهي بالكاد يُسعفها عكازها وكرسي أحضرته للجلوس كلما شق عليها السير بالانتقال من حافلة لأخرى ومن معبر لآخر.

يضيف الشيخ المسن للجزيرة نت أنهم يخضعون للتفتيش عدة مرات على المعبر، وأن سلطات الاحتلال تُريهم صنوفا مختلفة من العذاب، حيث يمرون عبر بوابات حديدية وممرات إلكترونية مزودة بالأشعة فوق الحمراء تليها غرف خاصة تستخدم للتفتيش الجسدي. ومن ثم يتم فحص الهويات والتصاريح الخاصة بالزيارة، يعقبها عملية تفتيش دقيق لأمتعتهم التي يحملونها خاصة تلك التي سيدخلونها لأبنائهم.

تتم عملية التفتيش على عدة مراحل بالمعبر ومثلها أيضا داخل السجون (الجزيرة نت)

تفتيش مهين
ويؤكد أبو مشهور أنهم يتعرضون للتفتيش الجسدي بشكل مهين خاصة النساء، ويتابع قائلا -وقد خط دمع القهر على وجنتيه- "إنهم يخلعون غطاء رأسي وتُعري إحدى المجندات زوجتي بحجة التفتيش ولا نحرك ساكنا".

وتقول أم مشهور إن أي مخالفة لأوامر السجان تحرمهم من الزيارة، "ولهذا نغض الطرف عن الاعتداءات والإهانات".

ويُؤرّق السفر الطويل الحاجة خديجة، حيث الخروج بُعيد منتصف الليل وفي ساعات الفجر والعودة قبيل منتصف الليل أحيانا، فولداها يقبعان في سجني ريمون وبئر السبع على بعد مئات الكيلومترات جنوب فلسطين المحتلة عام 1948.

وتقول إنه لا يسمح للحافلة بالتوقف مطلقا أثناء التوجه للسجن وإلا يتم احتجازها بمن فيها وتغريمها ماليا، "رغم أن البعض من الأهالي يعانون من أمراض تتطلب ذهابهم المتكرر للمرحاض كالسكري".

عقاب آخر
أما المنع الأمني لذوي الأسرى فهو حكاية أخرى، فغالبا ما ترفض سلطات الاحتلال زيارة ذوي الأسير من الأشقاء والشقيقات وحتى زوجته، وتسمح فقط لأبويه أو أحدهما، وتتعمد تفريق الأسرى الأشقاء وتنقلهم لسجون بعيدة عن مناطق سكنهم.

وتمنع سلطات السجون إدخال أي أطعمة أو أشربة للأسير وحتى الملابس تتحكم في لونها وشكلها، وكلها وسائل عقابية، هكذا تقول سهام سيف والدة الأسير منتصر، وتضيف أن المشكلة الأخطر هي نقل الأسير من سجن لآخر دون إخبار ذويه.

وهذه الإجراءات غيض من فيض، وفق وزير الأسرى عيسى قراقع، الذي أكد أن الاحتلال بات يستخدم الزيارة لعقاب الأسرى وذويهم وزيادة حسرتهم، فهو لا يسمح لهم بالالتقاء المباشر، وإنما من خلف زجاج شفاف "ويرون أبناءهم كالأشباح"، ويتحدثون معهم بالهاتف الذي تنتهك فيه أبسط حقوقهم بالخصوصية "حيث تراقبه سلطات السجن وتشوش عليه أغلب الأحيان".

وشدد قراقع -الذي التقته الجزيرة نت خلال زيارته عائلة أبو مشهور تضامنا معها- على أن المطلوب هو فضح كل ممارسات الاحتلال وانتهاكاته في حق الأسرى وذويهم على المستويات الدولية للضغط من أجل فرض تسهيل هذه الزيارات التي تفتقر إلى الإنسانية.

المصدر : الجزيرة