أشرف رشيد-موسكو

شاركت عشرات المدن الروسية مؤخرا في إحياء ذكرى ضحايا القمع والاضطهاد السياسي ومن فقدوا أرواحهم في سجون ومعسكرات التعذيب في الاتحاد السوفياتي السابق خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

وفي العاصمة الروسية موسكو نظمت وقفة تضامنية مع ضحايا الاضطهاد السياسي أمام المقر السابق لما كان يعرف في العهد الستاليني بـ"اللجنة الشعبية للشؤون الداخلية" (وزارة الداخلية)، وشارك في الوقفة نشطاء في مجال حقوق الإنسان ومتضامنون وساسة قرئت خلالها أسماء من قضوا نحبهم بتهم سياسية، ومنهم ساسة وكتاب وعلماء ورجال دين.

وقد بات من المعتاد خلال السنوات الأخيرة أن تتحول هذه الفعاليات وغيرها لمناسبات تقييم أوضاع حقوق الإنسان في مشهد يظهر تباينا في الآراء بين من يقول إن ممارسات القمع السياسي وانتهاك حقوق الإنسان ما زالت مستمرة وإن كانت بأساليب مختلفة، وبين من يؤكد حدوث تقدم في مجال الحريات ومراعاة الحكومات لحقوق الإنسان، وصولا بهذه الآراء إلى التشكيك في مصداقية عمل بعض مراكز حقوق الإنسان بأجنداتها السياسية.
 أورلوف: هناك تراجع في حقوق الإنسان في روسيا بالسنوات الأخيرة (الجزيرة)

بين الماضي والحاضر
أوليغ أورلوف -الخبير في منظمة ميموريال الدولية المعنية بحقوق الإنسان- يقول إن منظمته "رصدت تراجعا واضحا في أوضاع حقوق الإنسان في روسيا، وهذا التراجع بات واضحا مع بدء الولاية الثانية للرئيس فلاديمير بوتين".

وفي هذا السياق، لفت أورلوف في حديثه للجزيرة نت إلى صدور قوانين جديدة تحد من عمل المراكز والجمعيات العاملة في مجال حقوق الانسان، وهناك أنواع شتى من الضغوط تمارس عليها إما لإغلاقها، أو للتضييق عليها والحد من أنشطتها.

ومن الممارسات التي يصنفها أورلوف في خانة التضييق على حرية التعبير "خضوع القنوات التلفزيونية لسيطرة الدولة وإبراز وجهة النظر الرسمية مقابل منع الأطراف الأخرى من التعبير عن رأيها".

ويتابع أن ذروة المضايقات حصلت خلال عمليات مكافحة الإرهاب في شمال القوقاز والتي تخللتها -حسب رأيه- "حالات إعدام دون محاكمة واختفاء معارضين".

وردا على الاتهامات بانعدام الموضوعية والمصداقية في التقارير التي تصدر من هذه المنظمة وغيرها، قال الناشط الحقوقي إن الهجمات التي يتعرضون لها لا تتوقف عند هذا الحد، بل "تتضمن كذلك اتهامات بدعم الإرهاب والخضوع لإرادة جهات خارجية".

ويعتبر أورلوف أنه من المهم لعمل مراكز حقوق الإنسان أن تكون منفتحة في تلقي المساعدات والتبرعات، وأن هذا العمل لن يكون نزيها ومستقلا إذا ارتهن للتمويل الحكومي، ونفى في الوقت نفسه حصول محاولات لفرض شروط أو أجندة سياسية على منظمته أو التأثير على عملها من جانب الجهات الممولة.

مواطنون روس يزورون نصبا تذكاريا لضحايا القمع السياسي في العهد السوفياتي (الجزيرة)

غياب المصداقية
في المقابل، يقول رئيس تحرير صحيفة كومنولث الشعوب ألكسندر يونوف إن فترة حكم الرئيس السابق يلتسين لم تشهد اهتماما يذكر بقضايا حقوق الإنسان في روسيا، وذلك على الرغم من ارتفاع معدلات الوفيات واستفحال الجرائم والتراجع الحقوقي في مختلف المجالات.

في المقابل، هناك انتقادات لاذعة توجه -لأغراض سياسية- لسياسة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين تتعلق بملفات حقوق الإنسان على الرغم من الخطوات الواسعة التي قام بها في هذا المجال بعد تسلمه مقاليد الحكم، كما أن علينا ألا ننسى أن "روسيا لا تحتجز معارضا واحدا بتهم سياسية".

وأضاف قائلا للجزيرة نت أن "فتح ملفات حقوق الإنسان هو أدوات يستخدمها الغرب للضغط على خصومه كلما اقتضت الحاجة" بدليل أن هناك أنظمة دكتاتورية لا يتطرق لها الحديث، لأنها موالية للغرب.

ولفت إلى أن أعداد هذه التقارير تستند إلى معطيات تقدمها منظمات، منها هيومن رايتس ووتش، معتبرا أنها تخالف الحقيقة، وتفتقر أحيانا إلى الموضوعية، وتتجاهل التحولات الإيجابية في المجتمع.

ويلفت يونوف إلى أن المنظمات نفسها لا تنفي تلقيها مساعدات مالية خارجية، بالتالي إذا كانت هناك دول تدفع فاتورة عمل هذه المنظمات فإن الأحرى بها أن تكتب في تقاريرها إملاءات هذه الدول.

وفي سياق تشكيكه في عمل هذه المنظمات، يتساءل يونوف عن الأسباب التي منعت هيومن رايتس ووتش مثلا من فضح الجرائم التي وقعت خلال قصف قوات حلف الناتو ليبيا في عام 2011، فضلا عن جرائم أميركا في العراق وأفغانستان واليمن.

المصدر : الجزيرة