محمد غلام-تونس

أحرق بصماته ثلاث مرات ليخفي هويته، وتعرض مرارا للركل والضرب من قبل حرس الحدود الإيطاليين، ولكنه لا يزال مصرا على تكرار المغامرة للوصول إلى العدوة القصوى من البحر الأبيض المتوسط ليلتحق بآلاف التونسيين ممن هاجروا سرا إلى إيطاليا، خصوصا منذ اندلاع الثورة.

لا يبدي محمد (27 عاما) أي ندم على محاولاته المستميتة للوصول إلى "الفردوس الأوروبي" رغم ما قاساه وما خسره من نقود في سبيل ذلك، فالجائزة كبيرة وهي العيش بإيطاليا التي هي برأيه "أعز بلاد"، ويقول "سأعيد المحاولات مرة أخرى وأخرى لأن العيشة فلوروب باهية" (أي لأن الحياة في أوروبا جيدة).

محمد قطع معصمه لينجو من التسفير إلى بلده (الجزيرة)

ضرب وركل
ولا يفتأ يحدثك عن ما قاساه من معاناة وفقر دفعاه لإلقاء نفسه إلى التهلكة عبر تسليم نفسه لمهربين أربع مرات دفع بكل واحدة منها نحو 3500 دولار أميركي جمعها "بكل السبل" لإيصاله إلى إيطاليا في عملية "حرق" اعتقل إثر كل واحدة منها أسبوعا أو أسبوعين وتعرض "للضرب بالمطارق والركل بالأرجل"، وفي إحدى مرات الاعتقال قطع معصمه بآلة حادة لينجو من التسليم لتونس من دون جدوى.

والحرق في تونس يعني الهجرة السرية، ويختلف الناس هنا بشأن أصل الكلمة، وما إذا كانت مشتقة من حرق الأوراق الثبوتية كما يفعل بعض المهاجرين سرا لتفويت الفرصة على مستقبليهم لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، أو حرق البصمات كما فعل محمد لكي لا يتضح أنه اعتقل مرة سابقة. وعملية "الحرق" تلك تجري بواسطة قوارب مطاطية تدعى "زودياك" في جوانبها أكياس هوائية تنفخ بشكل منفرد لكي لا تغرق في حال ثقب أحدها.

أولى محاولات محمد للحرق كانت بمنطقة الهوارية شمالي شرقي البلاد 2010، أما المرات الثلاث -وكانت واحدة منها أيام الثورة مطلع 2011- فجرت هنا بمنطقة رادس بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية قرب الميناء التجاري الذي تستغل أحيانا سفن البضائع المتوقفة به للهجرة سرا إلى أوروبا، تماما مثلما يحصل بميناء "حلق الوادي" بالعاصمة الخاص ببواخر نقل المسافرين.

عبد الله "حرق" 17 مرة لإيطاليا وهرّب مئات الشباب (الجزيرة)

تهريب
ونادبا حظه العاثر يحدثك محمد وعيونه تكاد تفيض دما "أصحابي كلهم بإيطاليا وليس عندي حظ"، بيد أن "الحظ" حالف أشخاصا آخرين امتهن بعضهم مهنة التهريب، والبعض الآخر وصلوا لأوروبا بشق الأنفس ورضوا من الغنيمة بالإياب مع القليل.

عبد الله -وهو اسم وهمي- "حرق" 17 مرة لإيطاليا مهربا شبابا تونسيين للضفة الأخرى مقابل نحو 2100 دولار لكل "رأس"، وكان يسلم نفسه للسلطات بعد أسبوع أو أسبوعين في كل مرة ليستفيد من تذكرة الإياب وليعيد الكرّة.

يعترف عبد الله -العارف بدروب البحر وتقلباته وشروط الإبحار فيه في كل الفصول- بأن تجارته مربحة، ويشعر بالفخر لأنه يساعد الشباب "على تحسين وضعهم"، بل يقول إنه يفعل ذلك لوجه الله، ويقول إنه بينما يحاول السياسيون سرقة الشعب فإنه يحاول أن يعيش.

يحفظ عبد الله الجزر التونسية والإيطالية عن ظهر قلب، ويعرف المسافات بينها وأوقات تبديل نوبات عمل حراس الحدود الإيطاليين وهو ما يستغله لدخول البر الإيطالي. وفي آخر مرة منذ شهر وهو يهرّب 14 شخصا كادت دورية تلقي عليه القبض قرب جزيرة "مدزارا دلفانو" الإيطالية.

قاسم رضي من الغنيمة بالإياب مع قليل من المال في إطار برنامج لمنظمة الهجرة الدولية (الجزيرة)

العودة بالقليل
أما قاسم (27 عاما) -وهو اسم وهمي أيضا لشاب آخر- فكانت نهايته مع "الحرق" مختلفة، فبعد محاولتين فاشلتين قبض عليه بأولاهما الحرس الإيطاليون مع أربعين شخصا حين قذف بهم هيجان مباغت للبحر إلى جزيرة "بوانتا لاريا" عام 2011، وفي الثانية عام 2012 حين اعترضته مع عشرة أشخاص دورية تونسية، فقد اقتنع بأنه لا بد من استخدام الحيلة لوصول أوروبا.

دبر أمره للحصول على عمل يومي بميناء حلق الوادي، وعن طريق الاحتيال نجح في صعود إحدى سفن الركاب المتجهة لمرسيليا بفرنسا وبمساعدة شباب تونسيين تعرف عليهم في الطريق استطاع أن يتجاوز الرقابة الأمنية الصارمة ويدلف إلى المدينة.

بعد أربعة أشهر من العمل هناك سافر إلى سويسرا حيث أقنعه السويسريون -بعد أخذ ورد- بقبول عرض يقدمه برنامج جديد تنفذه منظمة الهجرة الدولية، ويقضي بأن تدعم الدول المستقبلة برامج اقتصادية واجتماعية للشباب بدول المنشأ.

تسلم قاسم مبلغا بقيمة عشرة آلاف وخمسمائة دولار أميركي وتذكرة السفر لتونس لافتتاح مشروع مقهى إنترنت اقتنع به مسؤولو البرنامج، ويقول إنه ناجح بعد نحو عام ونصف من بدئه.

فهل يعمم هذا البرنامج؟ وهل يقنع عشرات آلاف الشباب العرب التائهين بأوروبا بالعودة إلى أوطانهم ولو مع القليل؟ وكيف يطبق على من لم يغامر بحياته ويعش كل هذه المعاناة؟

المصدر : الجزيرة