محمد النجار-عمّان

"ذهبت لمكتب العمل والتوظيف للبحث عن فرصة عمل، فعرض علي العمل في الأردن في مزرعة براتب 270 دولارا، ولمدة ثماني ساعات يوميا. ووقعت على ورقة تلزمني أن أدفع مبلغا غير محدد إن تركت العمل. وعند وصولي للأردن وجدت أن علي العمل أكثر من ثماني ساعات وبراتب 240 دولارا، وحجز جواز سفري وأبلغت بأن علي أن أدفع 212 دولارا لاسترجاع جواز السفر".

كان هذا ملخص ما عاناه عامل مصري قدم للأردن، كواحد من الحالات التي اشتكت من تعرضها للعبودية الحديثة، حيث ترك مع غيره من العمال العمل دون أخذ جوازات سفرهم التي ظلت محتجزة عند رب العمل.

هذه الحالة كانت واحدة من بين أكثر من 31 ألف شخص، غالبيتهم العظمى من الآسيويين أو من مصر وسوريا، ممن قدموا للعمل في الأردن، ويعانون من ظروف تندرج تحت مسمى "العبودية الحديثة.

ويكشف تقرير مؤشر العبودية في العالم أن 35.8 مليون رجل وامرأة وطفل في العالم يعانون من "العبودية الحديثة"، وفيما تبدو الصورة قاتمة في دول كثيرة حول العالم، يكشف التقرير عن أرقام صادمة لمن يعانون من العبودية الحديثة في العالم العربي.
 العمراني يؤكد ممارسة العبودية الحديثة في الأردن تجاه العمالة الآسيوية (الجزيرة)

زيادة عالمية
وكشفت مؤسسة "walk free" المعنية بمؤشر العبودية في العالم عن التقرير اليوم الثلاثاء في العاصمة الأردنية عمّان، بالشراكة مع مركز عدالة لحقوق الإنسان وبحضور مسؤول ملف حقوق الإنسان في الحكومة الأردنية باسل الطراونة.

ويعرف المؤشر "العبودية الحديثة" بحجز الحرية والمنع من السفر ومنع الحقوق والإجبار القسري على العمل أو الزواج أو الاستعباد الجنسي، وغيرها من الانتهاكات التي تدرج في سياق العبودية والاتجار بالبشر.

ويكشف التقرير عن زيادة بنسبة 20% في عدد من يعانون من العبودية الحديثة في العام 2014، مقارنة بالعام المنصرم، وأنه لم تخل أي دولة من 167 حول العالم من وجود العبودية فيها، لكن نسب الاستجابة تفاوتت من دولة لأخرى.

وأكد أن 22 مليون إنسان بنسبة 61% ممن يعانون من العبودية يعيشون في خمس دول فقط، هي الهند (14.29 مليونا)، ثم الصين (3.24 ملايين)، فباكستان (مليونين)، وحلت أوزباكستان رابعة (1.2 مليون)، وفي المركز الخامس روسيا بأكثر من مليون إنسان يعانون من العبودية الحديثة.

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط يعاني نحو 2.2 مليون إنسان من العبودية، حيث تتصدر مصر القائمة بـ(394 ألفا)، فالعراق (346 ألفا)، ثم إيران (337 ألفا)، فسوريا (258 ألفا).

وأورد التقرير قائمة للدول الأكثر استجابة واتخاذا للإجراءات التي تحد من العبودية على مستوى العالم، حيث تصدرت هولندا هذه الدول، فالسويد والولايات المتحدة وأستراليا وسويسرا وإيرلندا والنرويج.

وعلى مستوى الشرق الأوسط تصدرت الإمارات العربية قائمة الدول الأكثر استجابة لمكافحة العبودية، تلتها إسرائيل فالأردن فمصر ثم البحرين، وحلت قطر في المركز السادس، فيما تذيلت القائمة كل من سوريا وإيران.

أما الدول التي كانت إجراءاتها الأضعف لمكافحة العبودية فكانت كوريا الشمالية وإيران وسوريا وإريتريا وأفريقيا الوسطى وليبيا.

 الزعبي: من بين 286 قضية حقق فيها 48 قضية اتجار بالبشر في الأردن (الجزيرة)

استجابة أردنية
وعن الأردن يشير التقرير إلى أن غالبية من عانوا من العبودية الحديثة إما ممن يعملون بأعمال أقرب للسخرة، أو في العمل الزراعي والغزل والنسيج، أو خادمات المنازل، إضافات لبنات صغيرات في السن زُوجن قسرا خاصة من اللاجئات السوريات.

وفي حديث أمام المؤتمر قال نقيب العاملين في الغزل والنسيج فتح الله العمراني إن السنوات السابقة شهدت فعلا ممارسات أقرب لتجارة البشر والعبودية مورست ضد الآلاف من العمال الآسيويين، الذين يشكلون غالبية العاملين في الغزل والنسيج في الأردن، حيث يبلغ عددهم 40 ألفا، من أصل 55 ألف عامل في القطاع.

ونوه إلى أن بعض العمال كانوا يعملون لسنة كاملة دون أن يتقاضوا أي أجور، فضلا عن الاكتظاظ في أماكن سكنهم، وتزويدهم بكميات غير كافية وسيئة من الطعام.

لكن العمراني أكد أن هذه الأوضاع تغيرت وأنه جرى تعديل كل هذه الظروف بعد أن وقع الأردن اتفاقيات عملية اعترفت منظمة العمل الدولية بأنها من بين الأفضل في منطقة الشرق الأوسط.

وفي المؤتمر أيضا أكد مندوب حقوق الإنسان التابع لرئاسة الوزراء بالأردن باسل الطراونة على التزام المملكة بكل الاتفاقيات التي وقعتها، ووقف الانتهاكات التي تطول حقوق الإنسان سواء من قبل الأجهزة الحكومية أو القطاع الخاص.

كما كشف رئيس دائرة مكافحة الاتجار بالبشر التابعة لمديرية الأمن العام العقيد عماد الزعبي أنه من بين 286 قضية جرى التحقيق فيها هذا العام ثبت أن 48 قضية اتجار بالبشر في الأردن أحيلت للقضاء.

ولفت الزعبي إلى أن قضية مكافحة العبودية الحديثة والاتجار بالبشر تحتاج لمنظومة من التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لوقفها نهائيا.

المصدر : الجزيرة