ياسين بودهان-الجزائر

أعاد تقرير نشرته منذ يومين صحيفة الخبر الجزائرية بشأن محاولات لحرمانها من إعلانات الشركات الخاصة، الحديث مجددا عن قضية استعمال السلطة لملف الإعلانات -أو "الإشهار"- من أجل ترويض الصحف المعارضة لتوجهات السلطة.

ومنذ فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعهدته الرئاسية الرابعة في انتخابات 17 أبريل/نيسان الماضي، تواجه العديد من الصحف المعارضة لترشحه ضغوطا كبيرة وصلت لحد تعليق طبعها، على غرار صحيفة "الجزائر نيوز" الصادرة بالعربية والفرنسية، كما واجهت يومية "جريدتي" الوضع نفسه، في حين تواجه يوميتا "الخبر" و"الوطن" متاعب مستمرة بسبب شح الإعلانات الخاصة، بعد أن حرمتا من الإعلانات الحكومية منذ 1996 لخطهما المعارض.

لكن وزارة الاتصال بررت تلك الإجراءات بأسباب تجارية بحتة، مرتبطة بكون تلك الصحف مدينة للمطابع الحكومية، وهي مطالبة بتسديد ديونها.

وتبلغ ميزانية وكالة الإشهار العمومي التي تحتكر سوق الإعلانات في الجزائر بنحو 1450 مليار سنتيم (نحو 173 مليون دولار)، هذا المبلغ تستعمله السلطة وسيلة ضغط على الصحف الخارجة عن طوعها.

محمد بغالي: الجريدة ليست حزبا سياسيا وليست مطالبة بدعم الرئيس (الجزيرة)

تجميد القانون
وكانت وزارة الإعلام خلال الفترة ما بين 15 ديسمبر/كانون الأول 1998 إلى 23 ديسمبر/كانون الأول 1999 اقترحت مشروعا جديدا ينهي احتكار هذه الوكالة وينظم سوق الإشهار، لكن القانون جُمِّد.

وفي تقرير نشرته بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول الحالي اتهمت يومية الخبر -وهي صحيفة خاصة تمتلكها مجموعة من الصحفيين وتعد الأكثر تأثيرا في الجزائر- جهات حكومية بممارسة ضغوط على الشركات الخاصة من أجل حرمانها من الإعلانات التي تمنحها تلك الشركات بسبب معارضتها لتوجهات السلطة.

وأثار التقرير ردود فعل منددة من الطبقة السياسية والمنظمات الحقوقية، ضد ما تتعرض له الخبر وغيرها من الصحف الخاصة، معتبرين ذلك تراجعا واضحا في المكتسبات الديمقراطية التي حققتها البلاد منذ التسعينيات.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد رئيس تحرير الخبر محمد بغالي أن الجريدة ليست حزبا سياسيا، لذلك هي ليست مطالبة بدعم أو معارضة أية شخصية سياسية بما في ذلك الرئيس، وأوضح أن الجريدة كغيرها من الصحف المحترمة تدافع عن قيم الحرية واحترام الحقوق وتكريس مبدأ التداول، وهو ما يدفعهم في الصحيفة "لمعارضة بعض توجهات وسلوكيات السلطة"، كما قال.

وبحسب بغالي، فإن أطرافا في السلطة مقتنعة بأن السلطة أخطأت كثيرا حينما فتحت المجال أمام التعددية الإعلامية عام 1990، وهي تحاول اليوم تصحيح ما تراه خطأ كبيرا.

ويضيف أن جهات بالسلطة تحضر أشياء من بينها موضوع توريث الرئيس بوتفليقة الحكم لأخيه الأصغر الذي يعمل مستشارا في الرئاسة، وهو أمر لم يعد سرا بحسب بغالي الذي يتابع قائلا إن "هذه الجهات تريد إغلاق كل الأصوات الحرة قبل إطلاق هذا المشروع".

 بوخدشة: هناك جهات نافذة مستفيدة من ريع الإعلانات العمومية (الجزيرة)

انعكاسات خطيرة
ولأن مسعى خنق الصحف الحرة من خلال حرمانها من الإعلانات الحكومية لم يحقق أية نتيجة بنظره، تحاول السلطة الآن الضغط على الشركات الخاصة لحرمان هذه الصحف من الإشهار الخاص، ووصف هذا الأمر بـ"الخطير جدا" لانعكاساته على الناحية السياسية لكونه يؤسس لمشروع دكتاتوري خطير اقتصاديا، لأنه ينفر الشركات من الاستثمار في الجزائر، فضلا عن أنه "خطير أخلاقيا".

ويقول إن كل ذلك دفع الجريدة "لمواجهة هذا الأمر بحزم"، لأن الحرية الإعلامية "آخر قلاع التعددية والحرية في الجزائر، وإذا سمحنا بهدم هذه القلعة فقل على الديمقراطية والحرية السلام".

ومن المنتظر أن يرد وزير الاتصال حميد قرين غدا على سؤال وجهه نائب في البرلمان منذ 22 يناير/كانون الثاني 2013، متعلق بسياسة الحكومة في مجال الإعلان، وأسباب استفادة صحف دون غيرها منه.

وعلى هامش الملتقى الثامن الأورومغاربي للاتصال والإشهار المنعقد أمس في العاصمة الجزائر، اعترف الوزير قرين بوجود فوضى بسوق الإشهار بالجزائر، مؤكدا على قرب الانتهاء من وضع قانون جديد ينظم هذا المجال، وسيعرض على الحكومة مع نهاية السنة الجارية.

لكن رياض بوخدشة الناطق باسم المبادرة الوطنية من أجل كرامة الصحفي، أكد للجزيرة نت أن السلطة تأخرت كثيرا في الإفراج عن هذا القانون، وهذا التأخر يقول "متعمد ومفتعل من طرف جهات نافذة مستفيدة من ريع الإعلانات العمومية من جهة، ومن جهة أخرى لاستعمال الإعلانات لتوجيه الصحافة وتكميم الأفواه".

المصدر : الجزيرة