ماريو كاسارتيي*

سأروي مرة أخرى ما حدث في باراغواي وله علاقة بالموضوع الذي سأطرحه: منذ ثلاث سنوات اجتاحت عائلة من ملاك الأراضي المتنفّذين أرض جماعة من الهنود (السكان الأصليين).. حضروا ومعهم جرارات وقوات من الشرطة لمساعدتهم في غزو الأراضي التي طردوا منها سكانها الأصليين، وبعد ذلك زرعوا الأراضي وكأنها لهم.

تفاعلت مع الحادثة جماعات مدافعة عن حقوق الهنود واتخذت الإجراءات المناسبة في مثل هذه الحالات أمام القضاء، وبعد فترة من الوقت استطاعوا إثبات أن هذه الأراضي ملك خالص للسكان الأصليين.

أمام الأدلة الدامغة التي تثبت أحقيتهم بالأرض، استخدم السادة الغزاة الكلمة "السخيفة" التي تستخدم في مثل هذه الحالات وهي "مفاوضات".. لقد وضع الغزاة شرطا من أجل إعادة الأراضي المغتصبة يتلخص في استغلالها زراعيا، وذلك لأسباب تتعلق بالاستثمارات التي أقاموها قبل صدور الحكم.. إنها طريقة تفاوض مثيرة للفضول لا يمكننا إلا أن نطلق عليها اسم "سياسة الأمر الواقع".

إسرائيل لها استثمارات لوجستية لا حصر لها وترصد ملايين الدولارات لبناء المستوطنات للمستوطنين اليهود وتوسع بالكيلومترات في حجم الجدران العازلة، وتسخر التقنية المتقدمة لسرقة الموارد الطبيعية من غزة وهي لا تريد الرحيل أبدا

الأمر الواقع
أذكر ذلك لأن ثمة موقفا متوازيا اليوم مع تلك الحادثة وما يفعله الإسرائيليون في فلسطين العربية التي احتلوها، فاحتلالهم لا يقتصر فقط على الوجود العسكري في مناطق محددة، بل يمتد بتقدم الجنود والمستوطنين بشكل مطرد، بالأمس واليوم والآن في هذه الساعة، دون توقف. دبابات تهدم المنازل وتطرد منها ساكنيها من أجل بناء عدد أكبر من المستوطنات.. هناك أيضا يستدعي الإسرائيليون سياسة الأمر الواقع.

التشابه بين الموقفين هو السياسة المفروضة من طرف ضد آخر. بيد أن الاختلاف هو أن المفاوضات الإسرائيلية لا تضع في حسبانها أبدا إعادة الأراضي المغتصبة، لأن هذه هي الطريقة التي قامت عليها الصهيونية منذ 66 عاما ولم تتوقف عن العمل بها قولا وفعلا منذ ذلك الوقت.

كيف لنا أن نفترض عكس ذلك وهي تقيم استثمارات لوجستية لا حصر لها بالأسلحة، وترصد ملايين الدولارات لبناء المستوطنات للمستوطنين اليهود، وتوسع بالكيلومترات في حجم الجدران العازلة؟ أضف إلى ذلك، تسخيرها للتقنية المتقدمة لسرقة الموارد الطبيعية، كالمياه والغاز من غزة.

كل هذا يؤكد أن الإسرائيليين لا يفكرون في ترك الأراضي المحتلة أبدا، وقد قبلوا ظاهريا بوقف إطلاق النار. ومن خلال شروط حماس، بات من الواضح أن بإمكان غزة إقامة مطارها المهجور من جديد وبناء ميناء بحري وزيادة الكيلومترات المسموح بها من أجل حق الغزيين في الصيد البحري، وهو ما يهدف إلى تكريس سيادة حقيقية. مع هذا، فكل شيء ما زال باقيا -بالقوة- في أيدي الإسرائيليين.

هل لإسرائيل وجود بغزة؟
خلال 51 يوما من المجزرة، كان من يبحث عن مبررات للعدوان الصهيوني يقول إن الإسرائيليين ليسوا في غزة، متناسيا أن سكان القطاع محاصرون من جميع الجهات. لكن الصحيح، أن الإسرائيليين خرجوا من غزة بأجسادهم، لكنهم موجودون فيها في كل لحظة وفي كل مناشط الحياة اليومية، وقد بدا الآن أيضا أنهم قبلوا الشروط المذكورة.

لكن بأي طريقة تثبت إسرائيل وجودها هناك؟ إنها بفرض السيطرة الكاملة جوا وبحرا وأرضا، ووضع أيديها على المياه الصالحة للشرب وعلى الكهرباء وترددات الاتصالات، وأيضا ما يخص الاقتصاد من مدخلات ومخرجات، بل إنهم يتحكمون حتى بدخول المساعدات الإنسانية.

أما الحدود فمعظمها غير متاح للدخول أو الخروج من وإلى غزة، ولا يسمح لأي كان بالعبور. ما زلنا فاقدي الأمل بأهداف الصهيونية المزعومة للسلام، حتى وإن تضمنت المفاوضات قبول الإسرائيليين أنفسهم بإعادة إعمار غزة المهدمة.

لنسترجع ذاكرتنا.. في أغسطس/آب 2005 حين أمر (رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل) آرييل شارون بإجلاء المستوطنين اليهود عن قطاع غزة، ظن حينها كثير من الناس في العالم أجمع أن ذلك سيكون بداية مفاوضات جدية من أجل السلام. كان لدينا أمل بأن يكون الأمر فعلا كذلك، رغم أن التطويق والحصار لم يتوقفا، ورغم أننا نعرف أن كل احتلال يولّد العنف حتما.

كان يلزمنا ثلاث سنوات لنغير ما اعتقدناه، وأكرر ذلك، حين ظهر لنا أن الهدف من ذلك الإجلاء كان التمكُّن من تطويق غزة بشكل تام، دون أن يلحق بالمستوطنين أي مكروه، فارتكبت المجزرة المسماة "عملية الرصاص المصبوب" التي خلفت 1400 شهيد فلسطيني بنسبة أقل من العملية الأخيرة "الجرف الصامد" التي تركت أكثر من ألفي شهيد.

نتنياهو يصر على محاولة إقناعنا بأن الاحتلال سينتهي حين يحل السلام، وهذا يعني تماما سنتوقف عن سحقكم حين تتوقفون عن التذمر من أفعالنا. لكن جملة نتنياهو هذه محض هراء وكذبة متعمدة، لأن السلام يمكن أن يبدأ فقط من اللحظة التي ينتهي بها الاحتلال

تاريخ مشبوه
تاريخ إسرائيل نفسه والآليات المستخدمة من أجل إقامة دولتها تجعلنا نشك في أن الصهيونية لم تغير نواياها قيد أنملة، وهي السيطرة على كل فلسطين وإخضاع أهلها من السكان الأصليين الذي يرغبون في البقاء بها أو طردهم بشكل نهائي. "هنا لا يوجد مكان لشعبين" كانت تلك من البداية عبارات قادتهم، مثل دافيد بن غوريون الذي لم ير "أي شيء غير أخلاقي في طرد الفلسطينيين".

ولو نظرنا إلى الاتفاقيات المتعاقبة بين ممثلي الشعبين، نجد دوما (باستثناء المفوضات مع إسحق رابين الذي اغتيل في النهاية من قبل يهودي) أن إسرائيل توقف جميع محاولات السلام.

السلام مقابل الباكس
هل من أحد في يشك في أنموذج إسرائيل للسلام؟ نموذجها هو "الباكس" أو "السلام الروماني" الذي صنعه أوغسطس مؤسس الإمبراطورية الرومانية، حيث تحكم قوة تمارس السلطة من جانب واحد فقط، دون أن تكون موضوعة تحت حكم أحد ودون احترام حقوق أولئك الذين تحكمهم. سلام يشبه بشكل كبير ما يسمى أيضا الباكس الأميركي، أي سلام على الطريقة الإمبريالية، وهو نفس ما قدمته ونفذته حكومات مستبدة في أميركا اللاتينية، نفس السلام الذي هبط على الشرق الأوسط بمخططات جيوستراتيجية موجهة، وما زالت تسيطر بالقوة على الأرض.

ولهذا لن نخدع أنفسنا ونعتقد من جديد أن السلام سيكون ببساطة نهاية الحرب. يقول أومبرتو إيكو "إما أن يطرح السلام كمفهوم عالمي، أو ليس هناك من معنى للتخطيط له". الاحتلال اجتياح، والاجتياح يعني العنف والمزيد من العنف.

ليس عبثا القول إن وجود المستوطنات ينسف السلام، أو بالأحرى فرض المستوطنات. لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصر على محاولة إقناعنا بأن "الاحتلال سينتهي حين يحل السلام"، وهذا يعني تماما "سنتوقف عن سحقكم حين تتوقفون عن التذمر من أفعالنا". لكن جملة نتنياهو هذه محض هراء وكذبة متعمدة، لأن السلام يمكن أن يبدأ فقط من اللحظة التي ينتهي فيها الاحتلال.

ثمة ديْن أخلاقي ومادي للفلسطينيين في رقبة إسرائيل، وطالما لم تسدده فإن السلام يصبح أمرا مستحيلا. ومع هذا، نواصل القول: هناك سلام، لكنه مفهوم ضمن إطار احترام الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. سلام، نعم، لكنه مصحوب بالعدالة.
__________________________
* كاتب من باراغواي

المصدر : الجزيرة