مقبرة الكرخ المثوى الأخير لمعظم المعدومين (الجزيرة)

علاء يوسف-بغداد

يتعذر في العراق الحصول على  معلومات تكشف عن أعداد الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام طيلة السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي. وطالما تعرض ما يصدر من منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان في هذا الشأن، للتشكيك من المسؤولين والجهات الرسمية العراقية التي ترى أن ذلك يأتي في إطار تقويض "النظام الديمقراطي في العراق وإفشال عمليته السياسية".

يأتي ذلك بعد أن شهد العراق في الأسبوع الماضي إعدام 37 مدانا بتهم مختلفة حسبما أعلنته وزارة العدل العراقية، وهي نسبة غير مألوفة حتى في الدول التي ما زالت تعتمد هذه القصاص عقوبة قصوى في نظامها القضائي. فما بالك عندما تعجز الهيئات الحقوقية عن الوصول إلى المعتقلين للتثبت من صحة التهم التي أدينوا بها.

لضرورات أمنية
لجنة حقوق الإنسان النيابية -التي تحتفظ بشهادات ووثائق حصلت عليها من ذوي المعتقلين وبعضهم نفذت بحقهم أحكام الإعدام- عجزت وحسب عضوها النائب زهير الأعرجي عن زيارة السجون ومراكز الاحتجاز في المحافظات العراقية.

وقال للجزيرة نت إن الجهات الرسمية رفضت عشرات الطلبات التي قدمتها اللجنة لزيارة المعتقلين والموقوفين والمحتجزين، مضيفا أنه على قناعة تامة بأن" الكثير منهم أبرياء" جرى اعتقالهم بناء على وشاية ممن أسماه المخبر السري.

 الأعرجي: وزارة العدل سمحت بزيارة مراكز الاحتجاز أما الجيش فلا  (الجزيرة)

لكن الأعرجي استدرك قائلا إن وزارة العدل سمحت بزيارة بعض مراكز الاحتجاز، أما الموقوفون في الثكنات العسكرية والأجهزة الأمنية "فلا نعرف عنهم شيئا باستثناء المعلومات التي تم الحصول عليها من ذويهم عن زمن الاعتقال ومكانه".

وأشار إلى أن معظم أعضاء لجنته يرفضون عقوبة الإعدام، مشددا على أن الأوضاع التي يعيشها العراقي في الظرف الحالي "تتطلب عقوبات رادعة بحق المدانين الذين ارتكبوا جرائم إرهابية".

المتحدث الرسمي باسم وزارة حقوق الإنسان كامل أمين استبعد من جهته إمكانية إلغاء العقوبة في الوقت الحاضر، عازيا الأسباب إلى تصاعد نشاط الجماعات التي تستهدف المدنيين.

وقال للجزيرة نت إن "عقوبة الإعدام ما زالت معتمدة في العديد من الدول المتحضرة والتي تتمتع باستقرار أمني وسياسي، وفي أوضاع العراق الحالية من المستبعد إلغاء العقوبة، وهذا يحتاج إلى إقرار تشريع، فضلا على ذلك لا توجد رغبة نحو هذا التوجه، نظرا لتزايد نشاط المجاميع الإرهابية الأمر الذي يتطلب اعتماد العقوبة لضرورات أمنية".

نكء الجراح
لكن إثارة موضوع الإعدامات مع أهالي المحكومين كانت مختلفة عن إثارتها مع النواب ووزارة حقوق الإنسان، فالأمر يحمل طعم نكء الجراح وهم ليسوا مستعدين للحديث عن أحزانهم إلى وسائل الإعلام. فيعتذر بعضهم ولا يرى آخرون جدوى في استعراض معاناة فقدان ابن أو شقيق.

 لكن "أم عمر" المقيمة في حي العامرية بجانب الكرخ من العاصمة قالت إن" ابنها حكم عليه بالاعدام نهاية العام 2011 بتهمة الإرهاب كونه اعتقل بعد انفجار عبوة ناسفة استهدفت دورية للشرطة في حي الجهاد القريب من العامرية. وإنه طالب في السنة الرابعة في كلية التربية الرياضية". 

بشار شقيق الشاب المعدوم عمر (الجزيرة)

الأم لا تستطيع سرد بقية القصة، لكن ابنها الآخر بشار قال إن عمر وغيره من الشباب هم ضحايا المخبرين السريين، ونتيجة تعرضهم للتعذيب يدلون باعترافات تدينهم، وقضاة المحكمة لا يعيرون اهتماما لأقوال المتهمين بأنهم اعترفوا بالتهم الموجهة إليهم في ظروف صعبة للخلاص من التعذيب الجسدي والنفسي.

أجواء الخلاف
الخبيرة القانونية فائزة باباخان الناشطة في مجال حقوق الإنسان قالت للجزيرة نت "في أجواء الخلاف السياسي واضطراب الأوضاع عادة يخضع القضاء للسلطة التنفيذية، وإلغاء عقوبة الإعدام في العراق يتطلب قرارا سياسيا، والأمر مستبعد جدا.

ولكن في  الظروف المتاحة -تضيف باباخان- لا بد من عرض المتهم أمام قاضي التحقيق وبحضور المحامي خلال 24 ساعة طبقا لما نص عليه الدستور العراقي، ثم تتخذ الإجراءات القضائية الأخرى لحين صدور الحكم، "مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية تعتمد المخبر السري من دون التأكد من شهادة المتهم كدليل إثبات لتوجيه التهم، فضلا عن ذلك فقد القضاء العراقي خيرة رجاله بالقتل والإبعاد من الوظيفة أو مغادرة البلاد.

في المقابل انتقد عضو ائتلاف دولة القانون محمد الصيهود في حديثه للجزيرة نت أصحاب الدعوات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، واصفا تبني بعض الأطراف هذا التوجه بأنه محاولة للحصول على  مكاسب انتخابية.

المصدر : الجزيرة