الدكتور محمد علي أصر على العودة إلى رابعة ليقتل ويختفي جثمانه (الجزيرة)
محمد أحمد-القاهرة
 
وسط دخان أسود يغلف سماء الميدان وأصوات الرصاص تتوالى ليتلوها تساقط الشهداء على أرض ميدان رابعة العدوية، ينتحي الدكتور محمد علي بنفسه جانبا وهو يحاول تخفيف آثار قنابل الغاز ويمسك بيده هاتفا ليطمئن أسرته على سلامته ويسألهم عن أخبار الاحتجاجات خارج القاهرة بعدما أقدم الأمن على فض اعتصام رابعة بالقوة.

هذا المشهد الذي حدث الثانية بعد ظهر الأربعاء قبل الماضي كان الأخير بحياة الرجل، حيث تقول ابنته سارة إن صوت أبيها انقطع فجأة وحلت محله أصوات الرصاص قبل أن تفاجأ بشخص آخر يمسك الهاتف ويستأنف المكالمة ليخبرها بأن صاحب الهاتف أصبح بين يدي خالقه.
 
تقول سارة التي لم تتجاوز الـ25 ربيعاً، إنها لم تستوعب ما حدث، واحتاجت لوقت كي تدرك أن الضوضاء التي قطعت عنها صوت أبيها لم تكن إلا أصوات الرصاص الذي أصابه في مقتل وكل ذنبه أنه خرج للاعتصام تعبيرا عن رأيه.
 
كان صعبا على الأسرة المكلومة أن تستعيد الذكرى الأليمة، لكن سارة استجمعت قواها لتحكي للجزيرة نت أن أباها الذي بدأ العقد السادس من عمره انضم لاعتصام رابعة العدوية منذ 30 يونيو/حزيران الماضي، لكنه عاد لمنزله ليلة فض الاعتصام ليبدل ملابسه ويحصل على قسط من النوم لم يتمكن غالبا من الحصول عليه في الميدان.
 
تضيف سارة أن والدها استيقظ في الصباح الباكر على خبر فض الاعتصام "وتوسلنا إليه ألا يعود إلى الميدان" لكنه أصر على العودة مصطحبا أخي عمر البالغ من العمر عشرين عاما وحقيبة صغيرة بها سجادة صلاة وبعض اللوازم البسيطة.
 
النيران التهمت كل شيء برابعة (الجزيرة)
لحظة القتل
يلتقط عمر طرف الحديث ويحكي كيف أنه ابتعد عن منصة الميدان ليتجنب تأثير الغاز تاركا أباه على مقربة منها وبعد قليل اتصل به هاتفيا ليطمئن عليه ويحدد مكانه ليعود إليه لكنه فوجئ بنفس الصوت الذي تحدث إلى سارة يخبره أن والده قد استشهد فأسرع نحو المنصة وكانت المفاجأة أنه لم يعثر على جثة أبيه.
 
يقول عمر إنه ظل يبحث هنا وهناك دون وعي ودون اهتمام بتأمين نفسه ليتلقى رصاصة خرطوش في قدمه فيضطر للعودة إلى المنزل دون أن يفلح في العثور على جثة والده لتبدأ الأسرة بعد ذلك رحلة من المعاناة مرورا على كل المستشفيات المجاورة لمنطقة رابعة العدوية دون أن يتمكنوا من إيجاد الجثة.
 
وتعود سارة إلى الحديث مؤكدة بمزيج من الاستغراب والأسى أن المسؤولين بالمستشفيات لم يقدموا أي تعاون بل إن بعضهم رفض السماح لنا برؤية كل الجثامين الموجودة بمستشفى المنيرة بحثا عن أبي ثم أخبرونا أن أبي ربما نقل إلى مستشفى قصر العيني فأسرعنا إلى هناك لكننها لم نعثر عليه.
 
ولم تتمالك سارة نفسها وهي تحكي عن انتقالها مع بعض الأقارب إلى مشرحة زينهم لتكتشف أنها ضاقت بالجثث ليبقى بعضها ملقى على الطرقات المجاورة وتختلط آلام من فشلوا في العثور على جثث ذويهم بأولئك الذين عثروا عليها لكنهم فشلوا في استخراج تصاريح رسمية لدفنهم.
 
عشرات ممن قضوا برابعة العدوية تفحمت جثثهم أو تشوهت (الفرنسية)
سيارة مجهولة
وتكمل سارة رحلة المعاناة فتشير إلى أنها ذهبت لاحقا إلى مستشفيات الدمرداش ومعهد ناصر فضلا عن مسجد الإيمان الذي نقلت إليه عشرات الجثث لتتفاجأ بأن كثيرا من الجثث قد أحرقت وينصحها طبيب باللجوء إلى تحليل "DNA" للتعرف على جثته من بين الجثث المحترقة التي يتعذر تبين ملامحها.
 
تقول سارة إنها فكرت في الاستعانة بمواقع التواصل الاجتماعي فوضعت صورة أبيها على صفحتها مصحوبة برقم هاتفها وكانت المفاجأة أنها تلقت اتصالا من شخص يخبرها بأن جثمانه ملقى بأحد الشوارع الجانبية قرب مشرحة زينهم بعد أن ألقته سيارة مجهولة مع جثامين أخرى هناك فذهبت مع أسرتها لتجد الجثمان وتبدأ رحلة تشريح الجثة واستخراج تصريح للدفن.
 
وختمت سارة حديثها بأنها لم تكن تتخيل أن يستهين البعض بحياة الإنسان وبمماته أيضا، وتشير إلى أن أسرتها مجرد واحدة من كثير من الأسر خاضت نفس المعاناة وهو ما ذكره للجزيرة نت أسامة الحلو -عضو المكتب التنفيذى لمركز سواسية لحقوق الإنسان- الذي أكد أن بعض الأسر لم تستطع الحصول على جثامين ذويها إلا بعد توقيع إقرار بأنهم ماتوا منتحرين، وفي غير يوم فض الاعتصام.
 
ولم يخف الحلو اندهاشه من صمت كثير من المنظمات الحقوقية على ما جرى. وعن كيفية حصول هذه الأسرة وغيرها على حقوقهم قال الحلو إنهم لا يملكون إلا اللجوء إلى القضاء لعله ينصفهم يوما ما ويقتص لهم مما لاقوه.

المصدر : الجزيرة