مدخل معسكر دلتا الذي كان مستخدما لإيواء كافة معسكرات الاعتقال وهو يحوي المشفى والمكتبة (الجزيرة)

جايسون ليوبولد-خليج غوانتانامو

من وراء النافذة الضيقة التي تطل على الممشى الحجري المؤدي لأشهر معتقل بالعالم، أطل علينا رجل ملتح في رداء أبيض واقفاً في صمت كامل يتأمل المشهد في الخارج.

الجنود ينزلون علبا تحتوي وجبات إفطار مكونة من الحبوب والفواكه من شاحنة، ويضعونها على ناقلة تحملها إلى الداخل، حيث سيرفضها المساجين المضربون عن الطعام ويلقون بها في القمامة.

على بعد عدة أمتار، وراء الأسوار الحديدية الشائكة، كانت الحافلات تنزل العشرات من المجندين القادمين لأداء عمل يوم جديد في غوانتانامو.

بدأ مجندون آخرون عملهم اليومي بتفتيش القادمين الجدد مستخدمين عصيهم الإلكترونية لكشف أي مواد محظورة قد يحملها هؤلاء، سواء كانت سلاحاً او أطعمة محظورة أو حتى أجهزة إلكترونية، ويلقى المدخنون من بينهم قداحاتهم في الحاوية الإسمنتية قبل عبروهم للمنطقة المحرمة.

تعلقت أنظار الرجل الملتحي بالعلم الأميركي المرفرف على برج الحراسة ثم توجهت نظراته نحوي وأنا أحمل قلمي وأوراقي وأحلامي في أن أصل لشيء من الحقيقة عن هذا المكان الغامض.

رفع الرجل يده اليسرى ثم أنزل إبهامه، مشيراً بعلامة الهزيمة مرة بعد مرة، ثم اختفى عائدا لزنزانته.

لم يتمكن مرافقنا العسكري -أو ربما لم يرد- من التعرف على الرجل الذي كان بالنسبة له واحداً من 166 سجينا ما زالوا يقبعون في هذا السجن الرهيب.

هنا حيث يعيش السجين أغلب يومه وقد يقضي أغلب أيام حياته (الجزيرة)

صلاة الصبح
كانت صلاة الصبح قد انتهت لتوها في المعسكر رقم 5 وقبلها، حوالي الرابعة صباحاً، كنت واحداً من صحفيين أربعة سُمح لهم بالدخول إلى المعسكر في فرصة نادرة لمشاهدة المعتقلين المضربين عن الطعام وهم يصلون.

وقد اشتملت مجموعتنا الصغيرة على صحفي ومصور من سي إن إن ومصور من مجلة تايم.

وفي خضم الفوضى التي خلفها الإضراب عن الطعام المستمر أربعة أشهر منذ السادس من فبراير/شباط، تمثل الصلوات لحظات نادرة من الجمال والسلام في معتقل أُطلق عليه ذات يوم لقب "أسوأ مكان في العالم".

دخلنا معسكر الاعتقال وتوجهنا لمعسكر برافو حيث ينام المعتقلون الذين لم يستيقظوا بعد والذين لم يتمكنوا من رؤيتنا ولم نتمكن من رؤيتهم حتى بعد استيقاظهم حرصاً منا على تجنيبهم الإحساس بأنهم حيوانات في سيرك يعرضون للمشاهدة.

كان الحرس يرتدون أقنعة واقية كتب عليها "واق من الرذاذ"، ويستخدمونها لحمايتهم مما أصبح عملية معتادة يقوم بها المساجين، وهي رش الحرس بمخلفاتهم.

كان معسكر رقم 5 قد شهد منذ حوالي ثمانية أشهر مصرع السجين اليمني عدنان لطيف الذي "انتحر" كما قيل، مفضلا التخلص من حياته بدلاً من أن يمضى عقداً آخر من الزمن في ظل عدالة تمشي كالسلحفاة.

فجأة فتحت كوة صغيرة بباب إحدى الزنازين، وامتدت منها يد سوداء لأحد المساجين التقطت شيئاً ما، لم أتمكن من رؤيته، من أحد الحراس ومن ثم أغلقت الكوة.

من إحدى الزنازين الأخرى انطلق صوت الآذان عالياً  يحمل في طياته إيقاعات أوبرالية أضفتها طبيعة الجدران في السجن.

وتصلنا من بعيد أصوات مساجين آخرين في زنازين أخرى يصلون بينما يستمر الحرس في تجوالهم عبر المعسكر وفي استراقهم النظر داخل الزنازين. بعد مرور عشرين دقيقة تنتهي الصلاة ويصحبنا المرافقون خارجاً. يتبع...

المصدر : الجزيرة