الطفل رياض واحد من 1.8 مليون طفل يعملون في الجزائر (الجزيرة)

هشام موفق-الجزائر

ينصب رياض طاولته كل صباح في سوق باب الواد الشعبي بقلب العاصمة الجزائر ليبيع الخضار والفواكه، قبل أن يعمد إلى ربط عدة أعمدة حديدية بقطعة قماش، لتقيه حر شمس الفاتح من يونيو/حزيران الذي يحتفل به في الجزائرا يوما للطفولة.

رياض.. ليس رب أسرة مداوما على هذه السوق الموازية كغيره من آلاف الجزائريين، لكنه طفل لم يتعد ربيعه الـ13، أوجدته ظروف حياته في هذا المكان، حيث الشقاء والتعب.

يخرج رياض من بيت أهله في حي "الزغارة" بأعالي العاصمة كل صباح ليلتحق "بمنصب عمله" في السوق.
 
بنظراته المختزلة لآلام الطفولة وأحلامها، يركز رياض على كل مشتر يسأله عن سعر السَّلَطَة.. "عشرة آلاف، ونوعية جيدة" يجيب رياض، والعرق يتصبب من جبينه المقطب والمسود من لفح الشمس.

درس رياض السنتين الأوليين فقط من المرحلة الابتدائية، ليتوقف عن الدراسة بعد رسوبه، وعمره ثماني سنوات.

حديبي: أغلب المشغلين للأطفال هم
من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام (الجزيرة)

اضطرار
لم يجد رياض في بيت أهله غير الصراخ والتعنيف والضرب، حسب ما صرح به للجزيرة نت، فوالده لم يعد يسكن معهم بعدما تخاصم مع والدته، ليجد رياض نفسه مضطرا للعمل مع أخ له آخر يكبره بثلاث سنوات، من أجل سد رمق الوالدة وأخويْن آخرين.

لكنّ رياضا لا يبدو عليه أنه يكنّ الحب لذاك البيت، فوالدته -حسب ما يرويه- حاولت إدخاله مستشفى المجانين، قبل أن يفر منها ويحتضنه أحد أبناء حيه النشط في التجارة الموازية بحي باب الوادي.

"أبي تركنا ويعيش الآن مع إخوته في كليما دوفرانس، وأمي ترى فيّ مجنونا فحاولت إدخالي مستشفى المجانين، والله لولا فريد ومونيا (أخواه الصغيران) ما رأوا خِلقتي أبدا"، يتحدث رياض مغالبا دموعه من عينيه السوداوين.

يتقاضى رياض عن كل يوم 500 دينار (نحو خمسة دولارات) نظير عمله ذاك.

بالنسبة لعبد القادر -جاره الذي يُشغّله- فإنه لا يستغل رياض في هذا العمل، بل يقدم خدمة له وللمجتمع بتشغيله كما يقول. وأضاف "عرضت على رياض وأخيه الأكبر أن يعملا عندي بمقابل بعدما عرفت بمشكلاتهما الأسرية.. فأن يشغلا وقتهما بالعمل والحلال خير لهما من أن تصطادهما شبكات ترويج المخدرات" يقول عبد القادر للجزيرة نت.

أرقام
رياض.. ليس الطفل الوحيد الذي وجد نفسه مقحما في سوق الشغل، بل هو واحد من بين 1.8 مليون طفل يتم استغلالهم في الجزائر -بينهم 1.3 مليون تتراوح أعمارهم بين 6 و13 عاما- من أصل قرابة عشرة ملايين طفل، حسب أرقام معهد الإحصاء التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو).

وبهذه الأرقام، تكون الجزائر قد احتلت المرتبة الأولى في منطقة المغرب العربي من حيث عمالة الأطفال.

ورغم تأكيد السلطات الرسمية على التزامها بتطبيق الاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص، فإن المعارضة غالبا ما تتهمها "بالفشل" في تسيير هذا الملف.

وقال القيادي بحزب النهضة محمد حديبي إن "النظام فشل في حل المشكلات المجتمعية رغم الفائض الكبير في احتياطي الصرف الأجنبي البالغ 186 مليار دولار".

وأضاف حديبي للجزيرة نت أن "النظام مسؤول على ارتفاع هذه الأرقام المخيفة في عمالة الأطفال، لأن أغلب المشغلين للأطفال هم من رجال الأعمال المرتبطين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا النظام"، كما أن "السياسة التربوية الفاشلة جعلت ظاهرة التسرب المدرسي ترتفع في صفوف الأطفال".

مكاوي: إحصائيات الاعتداءات على الأطفال أكبر بكثير من عمالة الأطفال (الجزيرة)

قانون
وبالنسبة للقانونيين، فإن المشرع سن قوانين تحمي الأطفال من استغلالهم، لكن هناك تقصيرا في تطبيقها.

وترى المحامية والناشطة الحقوقية فاطمة بن براهم أن القضاء "مقصر" في تسليط العقوبات على مستغلي الأطفال.

وتقول للجزيرة نت "نرى أن القضاء مقصّر نوعا ما في حماية الأطفال من جشع مشغليهم، سواء كانوا أولياءهم أو رجال أعمال أو غيرهم".

وفي نفس السياق حذرت شبكة "ندى" للدفاع عن حقوق الطفل من انتشار أعمال يقوم بها أطفال تتسبب لهم في أمراض خطيرة كترقيع الأحذية بمواد كيميائية، وغيرها. وكشفت المسؤولة بالشبكة إيناس مكاوي عن حالات إجبار أطفال على العمل.
 
مفارقة
وبعيدا عن تجاذبات السياسيين وتحذيرات القانونيين، تجمع عشرات الأطفال في ساحة البريد المركزي بالعاصمة ليحتفلوا بعيدهم العالمي المصادف للأول من يونيو/حزيران من كل عام.

وعلى بعد 700 متر تقريبا من سوق باب الواد حيث "يعمل" رياض، نظمت السلطات المحلية عدة نشاطات ثقافية وترفيهية لفائدة أطفال البلدية، وبمشاركة عدة جمعيات أهلية تعنى بهذا النوع من التظاهرات.

احتفالات لا يبدو على رياض وأقرانه أنه يأبه بها، أو حتى يسمع بها. 

المصدر : الجزيرة