من أرشيف محمود حجازي (الجزيرة نت)


ميرفت صادق-رام الله

في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف 17 أبريل/نيسان، ينهمك الفلسطيني محمود بكر حجازي في استعادة ذكرياته وسردها لزوار كثر في منزله بمدينة رام الله، وهو الذي بات رمزا وطنيا باعتباره أول أسرى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965.
 
ويُذكر اسم حجازي، المولود في القدس عام 1936، مرتبطا بأولى العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي التي أعلن بعدها انطلاق المقاومة المنظمة تحت لواء حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية.
 
واعتقل حجازي أثناء مشاركته مع مجموعة فدائية في تفجير جسر كان يستخدمه جيش الاحتلال الإسرائيلي ممراً إلى المدن الفلسطينية بالضفة الغربية قرب بلدة بيت جبرين جنوب الخليل بتاريخ 7 يناير/كانون الثاني 1965، وأدت العملية إلى مقتل 24 إسرائيليا.
 
ويأبى حجازي رواية حكاية أسره إلا ابتداءً من طفولته في بيت مقدسي قريب من المسجد الأقصى، وانخراطه مبكرا في العمل المقاوم، إذ أصيب برصاص الاحتلال عندما كان في عمر 12 عاما خلال ثورة عبد القادر الحسيني، ثم انتقل بعد سنوات للانخراط في الجيش الأردني برتبة "شاويش".

لقاء منشور في الستينيات مع محامي الثوار جاك برجيس عن قضية حجازي (الجزيرة)

نقطة تحول
لكن نقطة التحول التي غيّرت حياته كانت "مذبحة دير ياسين" عام 1948، وهو الذي استقبلت عائلته الهاربين من القرية وبينهم جرحى.
 
وفي أحد الأيام علم حجازي بنية شباب فلسطينيين شن عمليات ضد إسرائيل ضمن مجموعات سرية، وحينذاك كان يعمل سائقا في مدينة العقبة الأردنية، وقرر الانخراط بإحداها وبدأ التدرب فعلا على عملية هجوم كانت مقررة في مدينة "إيلات" جنوب فلسطين المحتلة.
 
ويقول حجازي "حتى ذلك الوقت لم أعرف من المجموعة سوى اسم واحد هو خضر عبد الفتاح أبو نجمة"، وهو الذي أعطاه تاريخ العملية، وطلب منه الحضور من العقبة إلى بيت جبرين في منطقة الخليل، ففعل.
 
ويذكر حجازي لقاءه الأول بالمجموعة، حيث حظر عليهم السؤال عن الأسماء والبلدان أو أية معلومات شخصية، وقال "كان هذا تفكير خليل الوزير (أبو جهاد).. العمل بصمت وبسرية تامة".
 
وفي ليلة الجمعة 7 يناير/كانون الثاني 1965، استعدت المجموعة وارتدى حجازي ورفاقه لباسهم وسلاحهم الخفيف الذي لم يتعدّ المسدسات البسيطة وبنادق الصيد، وتناوبوا على حمل العبوة المقرر تفجيرها بجسر بيت جبرين.
 
يقول حجازي "كل ما حملناه كان سلاحا بدائيا مقابل ما يتسلح به عدونا، لكن إيماننا بالقضية وبالتحرير كان أقوى...".
 
ويذكر أنه "في إحدى المرات التقيت أبو عمار دون أن أعرفه، وكان يجهز كحل البارود فسألته إن كان هذا قادرا على تفجير ثورة، فقال: لا، لكن العالم جبان ونحن يجب أن نعلي صوتنا كي يسمعنا".

محمود حجازي أول الأسرى الفلسطينيين بعد انطلاق الثورة عام 1965 (الجزيرة)

أسر وقرار بإعدام
وبالفعل نسفت المجموعة الجسر، وخلال العملية وقع حجازي في الأسر بعد إصابته برصاصات عدة ونقل في حالة فقدان وعي إلى سجن الرملة، وبعد محاكمات عديدة طالبت النيابة العسكرية الإسرائيلية بإعدامه.
 
واتهمه الاحتلال بقتل الأطفال والنساء والدخول "للأراضي الإسرائيلية" من الأردن من دون رخصة، إلى جانب إطلاق النار على الجيش الإسرائيلي، وحينها وقف حجازي في المحكمة وسألهم "هل أنتم ضباط وجنود أم أطفال ونساء؟".
 
ورفضت إسرائيل طلب اعتباره أسير حرب، ووافقت على إحضار محامٍ له من خارج الأراضي المحتلة، ولكن عند وصول المحامي الشهير جاك برجيس -محامي الثوار وزوج المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد- إلى الأراضي المحتلة بإيعاز من منظمة التحرير الفلسطينية رفضه الاحتلال ورحله.
 
وهنا يتذكر حجازي كيف كان يجري نقله من محاكمة إلى أخرى بلباس الإعدام الأحمر، وفي ذاكرته فقط "حادثة إعدام الثوار الفلسطينيين فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجموم" على يد الانتداب البريطاني في سجن عكا عام 1930. يقال "كنت أنتظر أرجوحة الأبطال".
 
وعندما انقسمت الحكومة الإسرائيلية بقيادة غولدا مئير حيال قرار إعدامه، طُلب منه الاستئناف ضد قرار إعدامه لكنه رفض، وقال "كان هذا سيجعلني مستعطفا لعدوي"، ولكن المحكمة الإسرائيلية العليا قررت إسقاط قرار الإعدام وحكمت عليه بالسجن المؤبد.
 
وفي كل مرة، كان محمود حجازي يعاد إلى الزنزانة الضيقة التي حملت رقم "139"، وهي ذاتها التي أعدم بها الضابط الألماني أودولف إيخمان، أحد كبار مساعدي هتلر، بعد اختطافه على يد الموساد من الأرجنتين إلى إسرائيل عام 1960.
 
ويذكر حجازي أن الزنزانة كانت الملاذ الوحيد له بعيداً عن المحققين، وفيها عاش ستة أعوام "مع صحن وكوب بلاستيكي وحشرات لازمتها صيفا وشتاءً" ومع جندي إسرائيلي مكث معه كظله خوفا من أي محاولة هرب أو تهريب.

الزنزانة كانت ملاذي الوحيد بعيداً عن المحققين، وفيها عشت ستة أعوام مع صحن وكوب بلاستيكي وحشرات لازمتها صيفا وشتاءً

أسير بأسير
ولا ينسى حجازي كيف حاولت إسرائيل اغتياله بالسم بعد عودته من محاكمته وإسقاط حكم الإعدام عنه، حيث وضع السم في طعامه وكاد يفقد حياته بسببه.
 
وبعد ستة أعوام، تناهت إلى سمع حجازي أخبار عن مفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل بشأن تسليم جندي إسرائيلي يدعى شموئيل فايزر أسرته حركة فتح أواخر عام 1969، وظن حجازي أن التبادل سيشمل 54 أسيرا فلسطينيا من الأطباء والأكاديميين ممن التحقوا بصفوف الثورة بعد انطلاقها.
 
وبتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 1971 جرت عملية تبادل "أسير مقابل أسير" بناء على اشتراط المنظمة (فايزر مقابل حجازي فقط)، وجرت العملية في رأس الناقورة برعاية الصليب الأحمر. وكتبت الصحافة الإسرائيلية في ذلك اليوم أن إسرائيل رضخت واعترفت ضمنيا بمنظمة التحرير.
 
يقول حجازي "كنت أشعر طيلة فترة اعتقالي أنني الشعب الفلسطيني كله أقف أمام المحاكم الإسرائيلية، وكنت منشغلا طيلة تلك السنوات بكيفية الدفاع عن قضيتي".
 
والتحق حجازي بعد الإفراج عنه بصفوف منظمة التحرير في لبنان حتى شهد حصار بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ومنها انتقل للعيش في اليمن لمدة 11 عاما، وعاد مع الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى غزة عام 1994 ومنها إلى رام الله حيث يسكن حاليا، وهو عضو في المجلس الثوري لحركة فتح.

المصدر : الجزيرة