محتجون من مبادرة الانعتاق أمام لجنة حقوق الإنسان (الجزيرة نت)

أحمد الأمين-نواكشوط

"عشتُ مستعبدا قرابة عشرين سنة.. كنت أمارس رعي الإبل أحيانا وأقوم بالخدمة المنزلية أحيانا أخرى، وحين بدأت أكبر بدأت أدرك الفرق بيني وبين أقراني من أبناء الأسياد، فقررت التخلص من هذا الوضع وهربت من أسيادي السابقين أيام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع".

بلال ولد رباح صاحب هذه القصة يقول إن رحلته إلى الحرية كانت شاقة، تعرض خلالها للسجن والإهانة وفقا لروايته، لكن إصراره على التحرر مكنه من التمتع بحريته وتحرير أخته.

حين كان بلال يتحدث للجزيرة نت في بهو مباني اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في العاصمة الموريتانة نواكشوط، كانت مجموعة من زملائه تتظاهر أمام اللجنة في نهاية رحلة على الأقدام من بوتلميت (150 كلم جنوب شرق نواكشوط) بعد اعتصام دام أكثر من شهرين في هذه المدينة احتجاجا على ما اعتبروها حالة استرقاق فيها.

وداخل مباني اللجنة كان حقوقيون وناشطون في المجتمع المدني يناقشون مدى فعالية التشريعات الوطنية في مجال محاربة مخلفات الرق في موريتانيا بمناسبة اليوم العالمي لإبطال الرق الذي يصادف أمس.

بلال ولد رباح يقول إن رحلته إلى الحرية
كانت شاقة وتعرض خلالها للسجن والإهانة (الجزيرة نت)

آراء متباينة
تعدد المشاهد في نفس الحيز الجغرافي يعكس بصدق تعدد الرؤى بشأن الرق في موريتانيا، فصوت القائلين بوجوده صارخ، ورأي النافين حاضر في المشهد السياسي والاجتماعي، والقائلون بانعدامه وبقاء مخلفاته كثيرون.

وبين هذا وذاك يمكن أن تسمع قصة بلال عند كثيرين من نشطاء الحركة الانعتاقية التي يقودها برام ولد الداه ولد اعبيدي، ويمكن أن تسمع نفيها بل ونقيضها من ناشطين آخرين حتى من طيف المدافعين عن الأرقاء السابقين.

وفي هذا الصدد يقول الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي حيمود ولد رمظان إن الاسترقاق بشكله القديم لم يعد موجودا في موريتانيا، لكن هناك أفعال غير قانونية يقوم بها بعض الأشخاص.

ويضيف ولد رمظان في حديث للجزيرة نت أن "هذه الأفعال يجرمها القانون، ولذا نرى القضاء يعاقب على هذا النوع من الأفعال، وهناك قرارات قضائية تشهد على ذلك".

ويعتبر أن "مكافحة الاسترقاق أصبحت واضحة لأن هناك إرادة سياسية مجسدة في نصوص قانونية ومحاكم وطاقما قضائيا مكونا، ومؤسسات تعمل على إعادة تأهيل وتحسين أوضاع الأشخاص الذين كانوا ضحية لهذه الممارسات".

المشاركون في اليوم المفتوح أجمعوا رغم تعدد مشاربهم أن الرق لم يعد موجودا في موريتانيا كممارسة، وقد ألغي بقوة القانون والإرادة الجمعية للموريتانيين، وبحكم الواقع السياسي والتحول الاجتماعي.

ولد رمظان: هناك إرادة سياسية
للقضاء على مخلفات الرق (الجزيرة نت)

بقاء المخلفات
وبنفس القدر أكد هؤلاء أن مخلفاته ما زالت موجودة، لكن الدولة اتخذت العديد من الإجراءات ونفذت مشاريع كبرى بهدف الرفع من المستوى المعيشي للمتأثرين بالظاهرة والنهوض بهم اقتصاديا وثقافيا.

من جهته يرى الناشط في الحركة الانعتاقية إبراهيم ولد بلال أن النصوص القانونية كثيرة ورادعة، إلا أنها غير مطبقة وقد بقيت حبرا على ورق.

ويقول ولد بلال في حديث للجزيرة نت "إن ما ينقص هو وجود إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الظاهرة والقضاء على الرق من خلال معاقبة ممارسي الاستعباد ومؤازرة الأرقاء، وهذا ما لم يحدث حتى الآن".
 
المحامي وعضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان محمدي ولد باباه يقول إن اللجنة تهتم بمتابعة الرق وتتعاون مع الهيئات المختصة بمحاربة هذه الظاهرة.

ويضيف ولد باباه في حديث للجزيرة نت أنها "ترصد وتتحقق من أي حالة استرقاق يتم الإبلاغ عنها، ولا أدل على اهتمامها بهذه الظاهرة مما قامت به في القضية التي ثار لغط كبير بشأنها في بوتلميت مؤخرا".
 
ومن جانبه، اعتبر المسؤول بالمفوضية المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع المجتمع المدني اللب ولد هنون أن الدولة تبذل جهودا كبيرة لمواجهة ظاهرة الرق ودعم المتأثرين بها.

وقال ولد هنون في حديث للجزيرة نت إن المفوضية نفذت مجموعة من المشاريع التنموية تركزت أساسا على المناطق التي تأثرت تاريخيا بهذه الظاهرة والمناطق التي تعتبر مظنة لوجود مخلفاتها مثل آدوابة (التجمعات السكانية التي يشكل المسترقون السابقون جل سكانها)، وهي بصدد إعداد خطة وطنية لتركيز اللحمة الوطنية عبر دعم هؤلاء والنهوض بهم اقتصاديا.

المصدر : الجزيرة