أم علي وزوجها فقدا أوراقهما الثبوتية بسبب حرق منزلهم وهو ما حال دون تسجيل ابنهما في لبنان (الجزيرة نت)

جهاد أبو العيس-بيروت

لم تتوقف معاناة اللاجئ السوري حسن أحمد ابن بلدة القصير عند حدود بيته الذي احترق بفعل أحداث المواجهة التي شهدتها البلدة، بل امتدت لتطال عبء تحصيل وإصدار الأوراق الثبوتية الخاصة بطفله البكر "علي" الذي شاءت الأقدار أن يولد في لبنان بسبب ظروف اللجوء.

ولد علي قبل ثلاثة أشهر في طرابلس شمال البلاد، لكن عدم حمل والديه دفتر العائلة فتح أمامه مشكلة رفض السلطات اللبنانية استخراج شهادة ميلاد رسمية له، والاكتفاء -بعد محاولات مضنية- بورقة مستشفى الولادة فقط.

وبحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بلبنان فإن هناك أكثر من ثمانية آلاف مولود سوري لاجئ ممن سجلوا لديها رسميا، 25% منهم فقط حصلوا على أوراق ثبوتية وشهادات ميلاد، بينما يواجه الآخرون خطر فقد الجنسية بسبب عدم حمل ذويهم أوراقا ثبوتية.

وأدت أحداث سوريا الدامية بالآلاف إلى فقدهم أوراقهم الثبوتية بفعل ما لحق بمنازلهم من هدم وحرق، إلى جانب دخول أعداد كبيرة منهم من بوابات غير رسمية دون الحصول على أختام الدخول، وهو وما حدا بالسلطات اللبنانية إلى عدم التعاون معهم بحجة الدخول غير الشرعي للبلاد.

الطفل علي حسن واحد من آلاف الأطفال المحرومين من شهادات الميلاد (الجزيرة نت)

غياب المؤسسات
وعن سبب عدم حمل أبويها دفتر العائلة تروي "أم علي" للجزيرة نت أن سبب ذلك يعود إلى زواجها -مثل العشرات- في بلدة القصير على يد مشايخ كانوا يديرون شؤون المدينة قبل المعارك الأخيرة، وذلك لتعذر عمل مكاتب الأحوال المدنية في البلدة، ومن ثم لم تتمكن هي وزوجها من استخراج دفتر عائلة رسمي.

وأضافت "لم ندرك أن المسألة ستكون معقدة لهذه الدرجة عند إنجاب طفلي الأول، فأنا أحمل هوية وكذلك زوجي، لكن ذلك لم يشفع لنا لاستخراج شهادة ولادة رسمية بسبب عدم حملنا أوراقا كافية ودخولنا لبنان بطريقة غير رسمية كآلاف مثلنا".

وقالت إنه "لولا تدخل المفوضية لدى المستشفى لما سمحوا لي أصلا بدخوله والولادة فيه، فضلا عن ضغط المفوضية لأخذ ورقة ولادة من المستشفى وهي الوحيدة التي تثبت وجود طفلي علي"، مضيفة أن هذا حال مئات بل آلاف العائلات.

أما مفوضية شؤون اللاجئين فقالت على لسان منسقة مكتبها الإعلامي جويل عيد للجزيرة نت إن حالة الطفل علي واحدة من آلاف الحالات الشبيهة لدى المفوضية، مشيرة إلى أن الخطورة تكمن في تنامي أعداد فاقدي الجنسية بسبب فقد الأوراق الثبوتية.

ولفتت عيد إلى غياب الوعي والثقافة والاهتمام لدى مئات العائلات السورية اللاجئة بهذا الخصوص، مشيرة إلى تشكيل فريق خاص من المفوضية لزيادة التثقيف حول هذه المشكلة وخطورتها على الأطفال مستقبلا.

وقالت إن التحدي الأبرز يكمن في تشتت أماكن وجود اللاجئين في لبنان على خلاف تركيا والأردن، مما يزيد من اتساع الظاهرة وصعوبة الوصول إلى العائلات لتوعيتها، فضلا عن ضبابية مستقبل المواليد في حال عودة اللاجئين إلى موطنهم وعدم اعتراف السلطات السورية حينها بأوراق المستشفيات.

وعبّرت عيد عن الأمل بتعاون أكبر من السلطات اللبنانية بهذا الخصوص لإيجاد مخارج تحفظ للمواليد جنسيتهم، مؤكدة أن المفوضية لا تتدخل في شؤون وإجراءات وقوانين الدول المضيفة وتعتبرها من أعمال السيادة.

فقد الأوراق الثبوتية حرم المئات من أطفال اللاجئين السوريين بلبنان من الدراسة
(الجزيرة نت)

محاصرة الظاهرة
من جهته دعا الناشط في تنسيقية شؤون اللاجئين السوريين بلبنان صفوان الخطيب المفوضية والدولة اللبنانية إلى التعاون معا لمحاصرة الظاهرة قبل اتساعها بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

ودعا الخطيب في تصريح للجزيرة نت إلى تشكيل لجنة ثلاثية مشتركة من اللاجئين والدولة اللبنانية والمفوضية لوضع الحلول المناسبة لهذه المشكلة التي باتت تؤرق العائلات اللاجئة وتضيف إلى همومها هموما جديدة مرتبطة بمستقبل أطفالها.

وقال إن مشكلة فقد الأوراق الثبوتية بفعل الحرب طالت أيضا من ولدوا في سوريا وفقدوا أوراقهم وجاؤوا إلى لبنان.

صعوبة المشكلة
ويرى رئيس المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان نبيل الحلبي أن مسألة إثبات النسب في حال فقد الأوراق الثبوتية مسألة "في غاية الصعوبة"، ويتساءل "كيف للدولة أو المستشفى أن يتأكدا من صحة الواقعة وشرعيتها"، مشيرا إلى أن أمثال هؤلاء لا توجد دولة في العالم تقبل بتسجيلهم.

لكنه يشدد على أن رفض السلطات اللبنانية تسجيل المواليد ومنحهم شهادات ولادة عند حمل ذويهم هويات إثبات شخصية أو عقود زواج موثقة -ولو بدون الختم  الرسمي لدخول لبنان- فيه تعسف ومخالفة واضحة لمعاهدات حقوق الإنسان الدولية الخاصة بالطفل والتي وقع عليها لبنان.

وقال الحلبي إن الحل العملي المؤقت في مثل هذه الحالات يكمن في إقرار الوالدين بواقعة الزواج مع شهود من الأقارب والتعهد بتسجيله رسميا حسب الأصول مستقبلا، ضمن إفادات رسمية ممهورة بختم مفوضية شؤون اللاجئين بوصفها المسؤولة عنهم.

المصدر : الجزيرة