أهالي برقة أغلقوا الطريق التي شقها المستوطنون لمنعهم من الدخول وفتحوا طريقا قديمة (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

لم تجدِ نفعا كل تلك الأغاني ولا حتى الابتسامات التي أطلقها المسؤولون الفلسطينيون قبل أسابيع قليلة فرحا وابتهاجا بإعادة أراضي مستوطنة "حومش" التي أُخليت عام 2005 لأصحابها في قرية برقة شمال نابلس في الضفة الغربية.

فهذا الفرح لم يرَه المواطنون إلا "استعراضا" لا أكثر، فقرار محكمة العدل الإسرائيلية مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي بإعادة الأرض لأصحابها وحظر دخولها على الإسرائيليين كافّة، لم يردع المستوطنين الذين لم يفارقوا المكان قط.

بل شكّل هذا القرار الذي يعني حق الفلسطينيين بأرضهم ورفض كل الادعاءات الإسرائيلية، كما يقول مشير سيف الذي يملك 45 دونما هناك، حلقة جديدة في مسلسل تصاعد اعتداءات المستوطنين التي لم تتوقف.

حجي لم يفرح كثيرا بزراعة أشجار الزيتون حيث اقتلعها المستوطنون بعد اقتحامها (الجزيرة)

وفي الأرض (مكان المستوطنة) ثمّة ما يُقلق المواطن سيف
(50 عاما) والمواطنين الذين لم يتمكنوا من زيارة أرضهم منذ القرار القضائي، فالمستوطنون موجودون ويشنون اعتداءات يومية، وقبل أيام قليلة حطموا مركبة صديقه بالحجارة، كما يقول.

لكنه رغم ذلك، لم يُمانع من مرافقتنا بجولة في أرضه، إلا أنه استكشف المكان قبل ذلك، ليتأكد ما إذا كان المستوطنون قد جاؤوا هذا اليوم أم لا؟

وقال معلقا إن زيارة المستوطنين أصبحت يومية، إذ يأتون في السابعة صباحا بمركبة خاصة ويغادرون في السابعة مساء، وأحيانا يقضون الليل فيها. وعدد هؤلاء المستوطنين لا يتجاوز العشرين، لكنهم مسلحون، "ويأتون بعلم الجيش وحمايته".

وضع اليد
والمواطن سيف واحد من بين عشرات العائلات في برقة التي وضع الاحتلال يده على أراضيها عام 1978 وصادرها لصالح الأغراض العسكرية، لكنه ما لبث أن حوّلها كعادته لمستوطنة إسرائيلية عام 1982، وأطلق عليها اسم "حومش"، لكن أصحابها يُصرّون على تثبيت اسمها الحقيقي "الظهور".

وظل المواطنون طوال 35 عاما من المصادرة محرومين من زيارة أرضهم البالغة نحو ثلاثة آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع).

سيف يشير إلى أرضه
في مستوطنة حومش سابقا ا(الجزيرة)

ويقول المواطن محمد حجي إنه حتى الأشجار التي زرعوها مؤخرا عقب قررا المحكمة لم تسلم من اعتداءات المستوطنين، فاقتلعوها واقتلعوا معها آخر فرحة للمواطنين وأملهم بالعودة إليها.

الحكومة هي السبب
وأُخليت حومش عام 2005 ضمن خطة انسحاب إسرائيلية أحادية الجانب، قضت بالانسحاب من قطاع غزة وخمس مستوطنات ومعسكرات للجيش شمال الضفة الغربية، لكن المستوطنين لم يستجيبوا لقرار الإخلاء حينها، ولا حتى لقرار المحكمة الأخير.

وهذا يؤكد بحسب مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة الغربية، غسان دغلس، أن حكومة الاحتلال هي أول من يدعم هؤلاء المتطرفين، وأن المطلوب من الأهالي هو التواجد المستمر في أرضهم "رغم كل التهديدات".

وبحكم أن حومش تصنف ضمن مناطق (سي) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، فلن يسمح الاحتلال بالبناء فيها إلا بترخيص إسرائيلي.

وهذا ما جعل الأهالي كما يقول دغلس يفكرون في استغلالها كأراض زراعية، وتحويل جزء منها لموقع سياحي ومتنزهات عامة بحكم موقعها الإستراتيجي، لافتا إلى أن هذا مطلوب من المحافظة ووزارة السياحة والآثار.

المواطنون يتواجدون في أرضهم لحمايتها من  المستوطنين (الجزيرة)

حماية ذاتية
لكن محافظ نابلس اللواء جبرين البكري الذي كان قد وعد بتعيين حراس مدنيين للأراضي، دعا المواطنين للتواجد والتصدي "لعصابات المستوطنين المتسللين"، إضافة لرصد اعتداءاتهم وتوثيقها وفضح ممارساتهم محليا ودوليا.

أما مسألة تعيين رجال أمن فلسطينيين كالشرطة مثلا لحماية المواطنين وأراضيهم، فهي برأيه أمر لا يمكن تطبيقه الآن، لكون المنطقة تقع ضمن نطاق "سي" ولا يحق لهم التواجد الأمني فيها، وقال إنهم "بحاجة لاتفاق مع سلطات الاحتلال".

وأعلن الأهالي أنهم لن يظلوا مستسلمين للمستوطنين، وأنهم يرفضون "حومش جديدة" وإن كان الثمن حياتهم، كما أعلنوا عن خطوات عملية للعودة لأراضيهم.

فهم يعكفون على إغلاق الطريق التي يستخدمها المستوطنون وفتح طريقهم القديمة، وإعادة تخطيط الأراضي، والتقدم للمؤسسات الأهلية والإغاثية لدعمهم بمشاريع مختلفة وحيوية.

المصدر : الجزيرة