بعض العائلات السورية المتجمعة أمام مخيم نزب (الجزيرة)

محمد غلام-مخيم نزب للاجئين السوريين

مصطكّة الأضراس ويداها ممدوتان إلى نار صغيرة تنبعث منها خيوط أدخنة نتنة لتقيها زمهرير مفتتح شتوي قارس، شكت روضة الإسماعيل من قرية حيش بريف إدلب لله وحده واقعها المزري، وعينها معلقة ببوابة مخيم نزب للاجئين السوريين في تركيا (35 كلم شمال الحدود السورية).

يروي ابنها محمد عبد الرحمن الحلبي وبجانبه زوجته غصون صباح الحلبي وأخته لمى وبنتاه الصغيرتان، وإحداهما رضيعة، كيف يرابطون منذ 15 يوما أمام المخيم، ولا معيل إلا ما تجود به أكف العابرين، حيث ترفض السلطات التركية إدخالهم.

بدأت رحلة عائلة الحلبي مع التشرد منذ عام مع اشتداد المعارك بوادي الضيف وبعد تدمير أكثر من 90% من قريتهم، واستمرت خلال عام كامل من التيه بالبراري والمغارات قبل الوصول للحدود التركية. غير أن رحلة تلك العائلة وغيرها من العائلات هنا -كما يبدو- لم تنته بعد.

بعض العائلات استترت بالظلام ودارت محنتها عن الصحافة (الجزيرة)

فهذه أيضا جميلة الإبراهيم مع سبعة من أولادها بينهم معاق، وهم يفترشون الأرض هنا ويلتحفون السماء هنا بعد أن فروا من كفر عويد بريف إدلب.

وهذه عائلة محمد كلثوم وقد فرت منذ سنة من جسر الشغور بريف إدلب بعد تهدم منزلهم في قصف من قوات النظام، وهي لا تزال منذ خمسة أيام تنظر مصيرها المجهول. وتلك عائلات أخرى منذ أكثر من شهر وقد قاست موجات مطر منهمر بهذه الساحة المفتوحة.

وهذا رافد العوض من قرية سفوهن بريف إدلب، وهو يرابط هنا منذ 15 يوما مع زوجته وولديه الصغيرين وأحدهما بشهره الرابع، يشكو من أنه "لا حليب أطفال ولا حفاظات ولا أكل ولا فرش". 

منع التصوير
رفضت أغلب تلك العائلات التصوير صونا لكرامتها المجروحة، وفي الحالات التي سمح بذلك ضايقتنا أعين الشرطة التركية التي لا تريد لهذا المشهد أن يظهر للخارج. وشكت لنا بعض العائلات من أن الأمن يعتقل بالقوة كل من يرفض مغادرة المكان في حال استقبال المخيم لوفود أجنبية أو حقوقية ويفرج عنهم حين المغادرة.

وروت لنا مصادر صحفية أن أعدادا أكبر بكثير تتجمع أمام البوابات التركية على الحدود، لكن الأمن التركي يمنع دخولهم.

وتقول الحكومة التركية إن المخيمات مكتظة جدا بشكل لا يسمح باستقبال أي قادم، وهي تتهيأ لافتتاح أخرى، لكنها ما إن تفتتح مخيما حتى يمتلئ بالكامل في ضوء تدفق اللاجئين بشكل غير مسبوق. 

وأسرت لنا مصادر آثرت بقاء أسمائها مغفلة بأن بعض الموظفين الأتراك وحتى الجندمة القريبين من المعارضة يتقاعسون في أداء مهامهم باستقبال اللاجئين لإحراج الحكومة.

أولاد خليل إبراهيم الأربعة في كوخهم داخل المخيم (الجزيرة)

كما أن بعض اللاجئين السوريين يتركون مواقعهم في بعض المخيمات بحثا عن مخيم آخر ظنا أنه الأفضل، أو إذا كان أقرب للحدود السورية، وهكذا يحصل التكدس أمام بعض المخيمات تطلعا إلى الداخل.

وفي داخل المخيم -الذي عبرنا إليه بعد سلسلة طويلة من الحيل حبكها معنا أحد ساكنته- يبدو الواقع، رغم بؤسه، يغري الكثير من المتحلقين أمامه.

شرح لنا خليل إبراهيم (38 عاما) من ريف إدلب -وهو معتقل سابق بسجون النظام- من داخل "بيته" كيف يعيش بـ"القطارة" على عشرين دولارا تمنحها الحكومة التركية لكل من أفراد أسرته: زوجته ووالدته حاجة عدلة وبناته الثلاث وولده، وذلك في شكل بطاقات تودع ذلك الرصيد وتسحب شهريا عبر التسوق، مثل باقي العائلات.

لكن بداخله على الأقل يتوفر الدفء وشيء مما يشبه الجو العائلي وبعض مما تفتقده روضة الإسماعيل في أن تلقي عصا التسيار، ولو إلى حين.

المصدر : الجزيرة