سليمان الأحمد روى رحلته خلال 25 يوما من المعاناة وأخذ العينات والفحوص المتواصلة في تركيا (الجزيرة نت)

محمد غلام-غازي عنتاب

متدافعَ النفس وبصوت خفيض كأنه يهمس به، حاول سليمان الأحمد بشق النفس أن يشرح لنا كيف تقبل قضاء الله وقدره بعدما أكد له مستشفى غازي عنتاب جنوبي تركيا أمس فقط، أنه مصاب بسرطان الحنجرة.

وبمساعدة آخرين في جمعية الأمل لمكافحة السرطان والأمراض المستعصية بغازي عنتاب قرب الحدود السورية حيث التقيناه، جاهد الأحمد (52 عاما) ليروي لنا رحلته خلال 25 يوما من المعاناة وأخذ العينات والفحوص المتواصلة في تركيا بعدما فر أغلب الكادر الطبي في بلاده إلى الخارج بفعل الحرب الضروس.

وحال الأحمد لا يختلف عن حال 210 مرضى سرطان توفر لهم هذه الجمعية غير المرخصة هنا الرعاية والدعم.

فهذا حسن الطاهر (21 عاما) وهو يعالج منذ شهر ونصف من سرطان الرئة الذي انتشر وفق مدير الجمعية الدكتور عبد الرحمن زينو في بعض المناطق بفعل القصف بالمواد السامة، إضافة إلى تكرير النفط بالطرق البدائية.

حسن الطاهر يعالج من سرطان الرئة
منذ شهر ونصف
 (الجزيرة نت)

وبحسب محمد هارون الإداري بفرع الجمعية في منبج بريف حلب، انتشر سرطانا الرئة والجلد هناك منذ عام ونصف بعدما بدأ الناس استخدام النفط الخام للتدفئة، ثم بعد ذلك تكريره بدائيا، وهو ما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة كالرصاص والزرنيخ.

وهذا خالد حدبه الذي أحضر من أعزاز بريف حلب جاره مصطفى الأحمد وهو مصاب بسرطان الأمعاء ولا يستطيع الحراك ولا الكلام. وقد حمله بمساعدة آخرين مسافة خمسمائة متر تهريبا عبر الحدود لكونه لا يحمل جوازا.

وهذا مصطفى النجار برفقة والدته فاطمة النجار المصابة بسرطان الثدي، وهي مُقعدة ولديها أمراض الضغط والسكري والقلب.. وهذا وهذا..

ويفسر زينو سبب تدفق المرضى على جمعيته ومن ثم المستشفيات التركية بأنه "لا يوجد طبيب واحد في أمراض الدم والأورام والقلب في كل المناطق الخاضعة للثوار في سوريا ولا توجد أجهزة مخبرية"، ويضيف "لا يوجد أي دواء لمرضى الضغط والسكري فما بالك بالسرطان؟".

خوف وهلع
ويقابل ذلك -وفق زينو- انتشار مذهل للأمراض السرطانية، ويقول إن أورام وسرطان الدم والدماغ عند الأطفال تضاعفت عشر مرات نتيجة الحالات النفسية كالخوف والهلع وكذا المواد السامة التي تطلق عن طريق المتفجرات، مؤكدا وجود 500 من تلك الحالات في المناطق الخاضعة للثوار.

زينو تحدث عن انتشار مذهل لأمراض السرطان
(الجزيرة نت)

وتكمن مشكلة مرضى السرطان في الداخل -وفق مسؤولي الجمعية- في أن نحو 90% منهم -كباقي السوريين- لا يحملون جوازات سفر وبالتالي لا يسمح لهم بالدخول، كما أن مرض السرطان يصنف ضمن "الحالات الباردة" وليس الطارئة التي يسمح لأصحابها بدخول تركيا عبر النقاط الطبية المنتشرة في البوابات.

وتستمر معاناة مرضى السرطان هنا -بعد النجاح في الدخول عبر طرق التفافية ومهربين مهرة- في البحث عن بطاقة "مخيم ضيوف" تتوفر لمن نجح في دخول أحد المخيمات التي أقامتها السلطات التركية للاجئين السوريين، وهي مهمة ليست يسيرة.

ويسعى آخرون للحصول على بطاقة صحية تركية، ويلزم لذلك استئجار منزل، وهي مهمة لم تعد سهلة بالنظر إلى الأعداد الهائلة للسوريين في المناطق الحدودية، وحيث إن بعض الأتراك يرفضون أحيانا التأجير لهم. أما جمعية الأمل فلا تتوفر لديها إلا 18 غرفة، وهي تعاني من قلة ذات اليد ومن المضايقات لكونها غير معترف بها.

ولا تتوقف المعاناة عند ذلك، بل تستمر في رحلة العودة بعد أخذ الجرعات الدوائية انتظارا لجرعة قادمة، حيث يرفض رجال الدرك التركي لمن دخل بطريق غير شرعي العودة من البوابات الرسمية، وبالتالي يضطر المرضى من جديد للبحث عن المهربين والحمل على الظهور أحيانا في رحلة من الألم المادي والنفسي لا تقف عند حدود. 

المصدر : الجزيرة