إبراهيم يتوسط سعيد ويرق (الجزيرة)
 أحمد الأمين ـ نواكشوط
 
سعيد، ويرق، والمختار، وامباركة.. أربعة أطفال يحتضنهم بيت الناشط الحقوقي الموريتاني بيرام ولد الداه ولد اعبيدي بحي الرياض في العاصمة نواكشوط.
 
يرق وسعيد أخوان لأم، وامباركة يتيمة الأب، أما المختار فأبواه على قيد الحياة، لكن الأربعة لا يرغبون في العودة إلى ذويهم "خشية أن يعيدوهم إلى من يستعبدونهم".
 
وتعتبر منظمة "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" الناشطة في مجال محاربة العبودية الأطفال الأربعة "ضحايا عمليات استرقاق تثبت وجود العبودية بشكل فعلي في موريتانيا وأنهم انتزعوا في سنتي 2011 و2012 بقوة القانون ممن اتهموا بأنهم كانوا يستعبدونهم".
 
ورغم أن أسر هؤلاء الأطفال موجودة، فإنهم لم يعودوا إليها "لأنها ستعيدهم إلى من كانوا يسترقونهم" حسب ما يقول الناشط في "انبعاث الحركة الانعتاقية" إبراهيم ولد بلال ولد اعبيد.
 
وتشترك قصص الأطفال الأربعة كما يرويها الناشطون في هذه المنظمة في أنهم "أرغموا على خدمة أسيادهم السابقين" حسب ناشطي الحركة الانعتاقية، و"تم التغرير بهم وانتزعوا من محيطهم" حسب منظمات أخرى ناشطة في هذا المجال، لكنها "متهمة بالقرب من الحكومة".
 
ويعكس الرأيان حدة المواقف من وجود العبودية في موريتانيا وتناقضها، ففي حين يرى بعض الناشطين الحقوقيين أنها "لا تزال موجودة بنسبة كبيرة وتمارس بشكل واسع وبحماية من الحكومة" ترى منظمات أخرى أن "العبودية لم تعد موجودة، لا قانونيا ولا واقعيا وأن الموجود هو مخلفاتها".
 
تجدد الجدل
وأعاد تقرير منظمة "ووك فري" الحقوقية الذي صدر في أكتوبر/تشرين الأول الجاري، الجدل حول العبودية في موريتانيا التي صنفها التقرير في المرتبة الأولى عالميا من حيث نسبة المستعبدين والمهددين بالاستعباد، وقدر عدد هؤلاء بأكثر من 130 ألفا.
 
ولد سيدي: العبودية لم تعد موجودة في موريتانيا (الجزيرة)
وبينما يرى إبراهيم ولد بلال ولد اعبيد أن "الأرقام التي وردت في التقرير أقل بكثير من الأرقام الحقيقية، فنحن نعتقد أن أكثر من خمسمائة ألف من المواطنين الموريتانيين لا يزالون يتعرضون للاستعباد بشكل مباشر أو غير مباشر" يقول محمد فال ولد يوسف -وهو مدير بوزارة العدل الموريتانية- أن "التقرير يفتقد أي مصداقية، وأعد دون البحث الميداني، ودون الاعتماد على أي مصادر موثوق بها والأرقام التي ذكرها غير صحيحة".
 
ويؤيد هذا الرأي محمد ولد سيدي الناشط في مجال محاربة العبودية، قائلا "إن هذا النوع من التقارير يفتقد المصداقية لأنه يعتمد على معلومات مغلوطة مصدرها منظمات متطرفة".
 
وعلى هامش اجتماع بمجموعة من سكان ضاحية الميناء جنوب نواكشوط لتفنيد التقرير، قال ولد سيدي للجزيرة نت "من خلال عملنا الميداني تأكدنا أن العبودية لم تعد موجودة إطلاقا، لكن لا تزال هناك مخلفات نطالب بالقضاء عليها لئلا تظل بعض المنظمات والأشخاص يتاجرون بها".
 
تباين ومسؤولية
وحين سألنا ولد يوسف عن تفسير لما تطرحه قضية الأطفال الأربعة قال "من الطبيعي أن يكون هؤلاء الأطفال وأمثالهم مع أسر ارتبط ذووهم بها لعقود طويلة، وفي أحيان كثيرة يكون سبب وجودهم اقتصادي بحت، فقد تعجز أسرهم عن إعالتهم مما يفرض عليها تركهم مع هذه الأسر، خاصة أنها محل ثقة ومؤتمنة وسترعاهم رعاية كاملة".
 
ولد يوسف: التقرير لا يتمتع بأي مصداقية (الجزيرة)
وينفي إبراهيم هذا التصور ويعتبره "مغالطة واضحة" ويؤكد أن الأمر يتعلق بـ"حالات استرقاق لا غبار عليها". ويضيف أن استمرار الرق سببه "انعدام الإرادة السياسية لدى السلطة وتواطؤ الدولة وأجهزتها مع ممارسي الاستعباد".
 
ومع أنه يقر بوجود ترسانة من القوانين تجرم العبودية، فإنه يرى أن "عدم تطبيق هذه القوانين جعلها في حكم غير الموجود". ويرى أن "القضاء على العبودية يتطلب الاعتراف بوجودها، فما دمنا نعتبر أن ما هو موجود مجرد مخلفات فستظل موجودة".
 
ويرى الناشطون في مجال حقوق الإنسان أن الأوضاع الاقتصادية لشريحة "الحراطين" وهم الأرقاء السابقون تتطلب الحكمة في التعاطي مع الملف, حيث تضطر الأسر في كثير من الأحيان لتأجير أطفالها من أجل الحصول على دخل يمكنها من العيش.
 
ويرى إبراهيم أن الدولة يجب أن توفر المأوى والعيش لهؤلاء الأطفال وذويهم، وألا تتركهم عرضة لمخاطر الانحراف، ومن غير المقبول ألا يكون لهم خيار غير العبودية أو الانحراف".
 
وبفعل هذا التجاذب تتحول قضية العبودية في موريتانيا إلى قضية سياسية، ليولد في كل يوم حالم بالحرية والتحرير، يكتب كما كتب الطفل يرق "أنا سأحرر العبيد".

المصدر : الجزيرة